آخر تحديث: 3 / 10 / 2026م - 11:20 ص

كفاءات وشهادات ومهن

المهندس أمير الصالح *


سوق العمل في العالم أجمع أضحى اليوم يتطلب المزيد من المهارات والشهادات المتنوعة التي تشمل إجادة بعض اللغات العالمية واستخدام الحواسيب، وإجادة بعض البرمجيات الرياضية، والحصول على بعض الشهادات المهنية المتخصصة. وعليه، وجب التنبيه والتنويه للشباب الطموح لضمان اكتساب لقمة العيش الحلال والتميز في طوابير التقديم إلى الوظائف الطويلة.

حوار

عام 1993 م تم إنزال درجة التقييم السنوي الوظيفي لأدائي لتلكم السنة بسبب غير منطقي، وهو أن رئيسي المؤقت «أ. هـ» بالعمل بإحدى الشركات التي كنت أعمل بها في بداية مشواري المهني، شاهد في وقت استراحة الغداء والصلاة الرسمية تصفحي كتابًا لتعلم اللغة الفرنسية في مكتبي. فحفظها في نفسه. وبنهاية العام أوردها سببًا رئيسًا في تخفيض معدل الأداء الوظيفي السنوي من جيد جدًا إلى جيد!!!

ناقشت الإدارة والمدير عن ذاك الأمر، وأن ما وقع هو ظلم وجور وأمر غير عادل ومتناقض مع تعزيز نشر العلم عند الموظفين؛ فلم يعيروا الكلام والمطالبات أي اهتمام، وأخذتهم العزة بالإثم، ولكن الموقف كشف لي حقيقة وجوه تلك الإدارة. والغريب أنني عرفت لاحقًا أن المدير العام ورئيسي المؤقت شلة، ويجلسون معًا بعد الدوام ويتصفحون الصحف اليومية في أثناء العمل، ويتداولون معلومات عن توصيات شراء الأسهم المحلية للشركات؛ وأنهم أيضًا جيران في السكن. والأغرب أن مدير الإدارة كان شبه يومي يغلق الباب ليتدرب على الطباعة بالإنجليزية تارة، وعلى استخدامات برامج إكسل وباوربوينت تارة أخرى!!

موقف حصل أمام عينيّ

عام 2008 م تم اعتماد قرار غير مكتوب، وهو وجوب الحصول على شهادة PMP كمتطلب للترقية الوظيفية للموظف بإدارة المشاريع بإحدى الشركات التي عملت بها. وكان هناك موظفان، أحدهما لديه خبرة 30 عامًا، وعالِق في آخر درجة وظيفية أكثر من ثماني سنوات، وموظف آخر «موظف 2» له خبرة 22 عامًا، ولم تتخطَّ مدة آخر ترقية له ثلاث سنوات. وتفاجأ الجميع أن الموظف رقم 2 حصل على ترقية دون حصوله على شهادة PMP. أجريت استقصاءً فعرفت أن الموظف الثاني عنده سند وعليه توصيات من أحد أقاربه. فجلست مع نفسي في حوار تحليلي عن فرص الترقية بناءً على نقاط القوة والضعف التي أملكها، وعن السبيل الأنجع للحصول على الترقية؛ فما وجدت أفضل وأحفظ لماء الوجه من الدراسة للحصول على شهادة PMP. وبالفعل أحرزت الشهادة المهنية عام 2010، إن لم تخنّي الذاكرة، وبعد سنتين من الحصول على شهادة PMP تقريبًا تمت الترقية بحمد الله ورعايته.

عبرت السنون ونقلت خدماتي لدوائر أخرى بداخل الشركة، ومع ازدياد الخبرة وصقل تجاربي، شاهدت المزيد من العجب في صنوف وخليط بين إداريين ناجحين محفزين، وإداريين فاشلين محبطين. وقد كتبت العديد من المقالات في هذا الشأن.

في طفرة الطلب على الطاقة عالميًا وارتفاع أسعار البترول دوليًا وانفتاح السوق المحلي للاستثمار الأجنبي، شاهدت دخول عدة شركات عالمية فرنسية وصينية وأمريكية وبريطانية وهندية وإيطالية وهولندية وإسبانية للسوق المحلي بشكل قوي، لاسيما في مجال الطاقة والاستثمار والصناعات البتروكيمياوية؛ وكان الأغلب من تلكم الشركات يفضلون عند التقدم بالالتحاق بشركاتهم إجادة اللغة الأم للشركة، لاسيما لمن يطمح لتبوؤ منصب مهني قيادي مميز بفرع شركتهم بالمملكة. كان هناك فراغ كبير في ملء المناصب العليا من أبناء الوطن، وكان بعض الهنود والباكستانيين وبعض اللبنانيين وبعض مواطني شمال أفريقيا «مصر - الجزائر - تونس - المغرب» هم من لديهم مؤهلات تلكم المناصب ويشغلون المناصب الريادية على مستوى إقليمي في الشرق الأوسط! هنا استرجعت ذاكرتي وتألمت أن تم تحجيم طموحي في شركة كانت ببداية مشواري المهني بسبب وجود إداري فاشل جدًا وحاقد جدًا، ولكن الحمد لله تحررت منه وفهمت الأمور وصححت المسيرة المهنية نحو الأفضل. وها أنا ذا أشارك الجميع ككتاب مفتوح لأداء زكاة العلم والعمل لأبناء المجتمع والوطن كافة، وأنقل التجربة وأختم بالتوصية.

نقل التجربة لتتم الفائدة

بعض الشركات تهيئ للموظفين منظومة مهنية تحفيزية للتعلم واكتساب المهارات، وحتى تغطية رسوم اشتراكات بجمعيات هندسية وطنية وعالمية مرموقة؛ إلا أن وجود إداريين فاشلين أو حاقدين أو ضيقي أفق يثبط الإنسان المتألق عن الاستمرار في التألق. فيتجنب الموظف المتألق حقد المدير الإداري الحاقد بتفادي أي تمييز علمي/عملي/ابتكاري قد يثير حفيظة المدير الإداري الحاقد، أو بإدراج اسم المدير في كل المقترحات والابتكارات التطويرية!! وهذا ليس بالجديد، فهناك عرف إداري سطّره المفكر مكيافيلي منذ القرن الرابع عشر الميلادي في كتابه «الأمير»، ومفاده: لا تظهر بأنك أكثر علمًا من رئيسك، فقد يناوشك أو يسعى للتخلص منك أو يكيد لك!!

فهمت الدرس مبكرًا وأحببت أن أنقله لأبناء الجيل الصاعد ممن يخوضون تجاربهم في سوق العمل. وإني والله أفتخر بأن بعض بيئات العمل في وطننا الحبيب أضحت محفزة بشكل يفوق التصور، وأسأل الله أن ينتشر هذا النمط من أنماط بيئات العمل.

مشهد واستذكار

مهمة التطوير العلمي هي مهمة ذاتية مناطة بالإنسان نفسه. وعليه يجب أن يحرص الإنسان الطموح كل الحرص ألا يبدد وقته، ولا يشغل وقته فيما لا يعنيه. بل عليه أن يحرص كل الحرص على اكتساب مهارات وتعلم لغات حية مؤثرة، ويتقن مهارات استخدام برامج وتطبيقات علمية «هندسية/طبية/إدارية/إحصائية/زراعية/ميكانيكية/إلخ.» متنوعة، ليكون مواكبًا للتطور ولديه روح صمود للعطاء أطول فترة ممكنة. وأنصح كل موظف بقراءة بيئة العمل مبكرًا، وقراءة متطلبات سوق العمل المتجددة، فإن كانت الأمور والبيئة مشجعة ومحفزة فنِعم بها؛ وإن لم تكن كذلك فلا يقف الإنسان مكتوف اليدين، بل عليه أن يتعلم ويطور نفسه دون أي ضوضاء أو لفت انتباه الحساد والمرجفين والمحبطين. ويعمل بمبدأ «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».

طموح ما بعد التقاعد

أدرجت نفسي في فصول تعليم اللغة الفرنسية Grade A1/A2 بعد انطواء ثلاثة وثلاثين عامًا من حادثة التقييم الظالم. عانيت في بداية الالتحاق بالصف الدراسي للغة الفرنسية لكوني متجاوز عمر الستين، إلا أنني لاحقًا تعودت على ذلك، وإن شاء الله في طريقي للمزيد من الأداء الجيد في اللغة. وإن كنت لا أجد اللغة الفرنسية حتى اللحظة ذات مردود اقتصادي بالنسبة إليّ لكوني خارج سوق العمل، ولكن كان في نفسي عدة أمور، منها المحافظة على تجدد الطموح واستمرار التعلم ومحاربة الملل وكنس الكسل والمحافظة على خلايا عقلي من الشيخوخة.