هل هناك بوصلة حقيقية للحياة؟

قبل فترة طويلة من الزمن كنت في الولايات المتحدة، وبينما أقود السيارة لمحت اسمًا جميلًا جدًا لمصرف يُدعى ”Compass Bank“، وعلى ما أعتقد، كانت خدماته المصرفية تركز على الجامعة ومنسوبيها وطلابها. فقررت أن أتعامل مع هذه المؤسسة المالية.
في كثير من الأحيان، تجذبنا الأشياء الجميلة مثل بنك البوصلة. وجميل أن تكون للحياة بوصلة واضحة المعالم. ولكن السؤال الأهم: كم عدد المتبعين للبوصلة الحقيقية للحياة؟ فالحياة أصبحت مليئة بالبوصلات والإرشادات وآلاف الكتب السماوية والعلمية في شتى المجالات.
تُشير البوصلة إلى الاتجاه، لكنها لا تحدد وجهةً نهائية، فهي ليست خريطةً ولا خطةً، بل مجرد مؤشر يوضح الاتجاه الذي تسير نحوه حاليًا. وفي مجال «تصميم الحياة» «Life Design» تؤدي بوصلتك الشخصية الدور ذاته. فأنت حر في اختيار الاتجاهات والوجهات، ورغم أن هذه الخيارات قد تتغير مع اكتسابنا معارف جديدة وتبدّل ظروف الحياة، إلا أن البوصلة تساعدنا في الحفاظ على مسارٍ محدد، مسارٍ نختاره بناءً على قيمنا ومبادئنا. تتألف هذه البوصلة من عنصرين أساسيين:
• رؤيتك للعمل «Work View»
• رؤيتك للحياة «Life View»
تتمثل ”رؤيتك للعمل“ في فلسفتك الخاصة تجاه العمل: ما الغاية من العمل؟ وما الذي يمنحه معنى وقيمة؟ وكيف تصف العمل الجيد من وجهة نظرك؟
أما ”رؤيتك للحياة“ فهي منظورك الأوسع والأشمل، أي ذلك السؤال الجوهري حول معنى الحياة: ما هي الأمور الأكثر أهمية في الحياة؟ وما معتقداتك حول العالم والناس والغاية من الوجود؟ وما الدور الذي تؤديه العلاقات والجانب الروحي في حياتك؟
تعمل هاتان الرؤيتان بمثابة إحداثيات توجهك في اتخاذ قراراتك. وعندما تتكامل رؤيتك للعمل مع رؤيتك للحياة، تزداد احتمالية شعورك بالرضا والسعادة؛ لأنك تدرك أن خياراتك تنسجم تمامًا مع قناعاتك الحقيقية. يُطلق على حالة الانسجام هذه مصطلح «الترابط» «Coherence» وتشير الدراسات العلمية إلى أنه أحد المؤشرات الدالة على الازدهار والنمو الإنساني.
هناك مثال جميل على أثر التاريخ والأحداث العميقة في بوصلة الإنسان تجاه ذوي البشرة الداكنة: أنا ممن يُقال عنهم إنهم ”يتحدثون بأسلوب البيض“، أي أنني أتحدث بطريقة مهنية وسليمة عند الوجود في بيئة عمل احترافية. لقد تحدثت في مناسبات عدة مع أصحاب عمل محتملين عبر الهاتف، وبدا عليهم اهتمام كبير بمقابلتي شخصياً، ولكن عند وصولي لإجراء المقابلة، وحين كنت أُعرّفهم بنفسي، كانوا يُبدون دهشة واضحة ويطلقون عبارة ”أوه!“؛ إذ يبدو أنني لم أكن أبدًا كما توقعوا. وفي تلك اللحظة، كنت أدرك دائماً أنني لن أحصل على الوظيفة. ذات مرة، نزلت من عربة الترام «Tram» في وسط مدينة فيلادلفيا واصطدمتُ عن غير قصد بامرأة بيضاء مسنة. بادرت فوراً بالقول: ”هاك، خذ حقيبتي، فقط لا تؤذني“. لقد شعرت بالصدمة، إذ لم أستطع أن أصدق أنها ظنت أنني سأسرقها. وعندما أمشي في الشارع، إذا كانت هناك امرأة بيضاء تسير في اتجاهي، فغالباً ما تعبر إلى الجهة المقابلة من الشارع أو تضغط بقوة أكبر على حقيبتها كلما اقتربتُ منها. أظن أنني أصبحت متبلد الشعور تجاه هذه المواقف الآن؛ لأنني أتوقع حدوثها، وأعتقد أن هذا هو الجانب المحزن في الأمر. فمجتمعنا لم يتجاوز مرحلة التحيز بعد، بل أصبح التمييز والتحيز أكثر خفاءً ودقة في أشكالهما. في المقابل، فإن معظم عملائي من البيض، وهم يرحبون بي في منازلهم، ويسمحون لي بالعمل على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم مع منحِي صلاحية الوصول الكاملة لبياناتهم، بل إن بعضهم تركني بمفردي في منازلهم أثناء عملي بينما ذهبوا لقضاء بعض الحاجيات. إنهم يمنحونني قدرًا هائلًا من الثقة. لذا، فبالنسبة لي، مواقف التحيز ليست ظاهرة شاملة أو حتمية، بل تعتمد حقًا على تجارب الفرد ونشأته. أختار التركيز على الجوانب الإيجابية، ولكن عند مواجهة التحيز، فإن الأمر يجعلني أتوقف للحظة لأدرك أن أمامنا طريقًا طويلًا جدًا لنقطعه.
وفي الجهة المقابلة، هناك فيلم جميل شاهدته يُدعى ”Straw“، وهو فيلم أمريكي درامي، وجريمة، ونفسي من تأليف وإنتاج وإخراج تايلر بيري. تدور أحداث الفيلم حول أم عزباء تكافح لتوفير احتياجات ابنتها المريضة، إذ تدفعها سلسلة من الأحداث إلى اتخاذ تدابير متطرفة. وقد قالت بطلة هذا الفيلم عبارة في غاية التأثير والقوة:
Black Women always have something to get over, will / would you take my daughter for me when they lock me up? Today, we have nowhere to live. They treat us like martyr. I never had anybody stand by me.
تواجه النساء السود دائماً عقبات عليهن تخطيها، هل ستتولّى رعاية ابنتي نيابة عني حين يُزج بي في السجن؟ ليس لدينا مأوى نلجأ إليه اليوم، وهم يعاملوننا وكأننا شهيدات، في حين لم يقف أحدٌ بجانبي قط.
من السهل جداً أن يضيع المرء وسط مشاغل الحياة اليومية: العمل، والصداقات، والعائلة، ومحاولة مواكبة الوتيرة المتسارعة للعالم. وأحيانًا، وسط كل هذا الضجيج، تنسى أن تتوقف قليلاً لتراجع نفسك وتطمئن على حالك. إن بوصلة الحياة دليل بسيط يساعد على رؤية الوجهة الحقيقية وتحديد ما تريد أن تحققه في هذه الحياة. ويتعلق الأمر ببساطة بالوضوح والانسجام مع الذات. وفي قلب هذه البوصلة، تدوّن القيم الجوهرية التي تريد أن تكون مرشدًا لك مهما كانت الظروف: الإيمان بوجود خالق عظيم، واللطف، والنمو، والإبداع، والتواصل الإنساني. هذه بعض القيم التي تمثل ”البوصلة الحقيقية للحياة“.












