آخر تحديث: 3 / 10 / 2026م - 11:20 ص

الجار السابع

فوزي آل غريب *


ليست الأحياء مجموعة بيوت متجاورة، ولا الجيرة أبوابًا تفصل بينها بضعة أمتار؛ فالحيّ الحقيقي هو ذلك المكان الذي يعرف فيه الإنسان أن خلف الجدار قلبًا قد يفرح، وأسرة قد تحتاج، ومريضًا ينتظر سؤالًا، وكبيرًا في السن قد تكفيه طرقة على الباب ليشعر أنه ما زال حاضرًا في ذاكرة المكان.

ومن هنا لم يكن الجار في ثقافتنا قيمة اجتماعية عابرة، بل أحد الأسس التي يقوم عليها المجتمع المتماسك. فكلما صلحت العلاقة بين الجيران، ضاقت مساحة العزلة، واتسعت دائرة الأمان والتكافل. وحين يشعر الإنسان أن من يسكن بجواره يعنيه أمره، يصبح الحي مجتمعًا صغيرًا، لا مجرد صفوف من المنازل.

وقد بلغ حقُّ الجار عظيمَ منزلته في وصية الإمام عليٍّ لولديه الحسن والحسين عليهما السلام، إذ قال: «وَاللهَ اللهَ في جِيرانِكُم، فَإِنَّهُم وَصِيَّةُ نَبِيِّكُم، ما زالَ يُوصي بِهِم حَتّى ظَنَنّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُم». [نهج البلاغة، الرسالة 47]وتكشف هذه الوصية عن مكانة الجار في الوعي الأخلاقي؛ فالجيرة ليست مجرد علاقة يفرضها تقارب البيوت، وإنما حقٌّ يتجدد بالوصية، ومسؤولية أخلاقية تجعل الإنسان أكثر انتباهًا لمن يشاركه المكان وتفاصيل الحياة اليومية.

ولذلك جاء ذكر الجار في القرآن الكريم ضمن دائرة واسعة من الحقوق والإحسان، فقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ…﴾ [النساء: 36].

ولعل اللافت في الآية أن الإحسان لا يتوقف عند دائرة القرابة، بل يعبر منها إلى الجوار؛ وكأن المجتمع الصالح يبدأ من البيت، ثم يخرج من بابه ليلتفت إلى أقرب إنسان يقاسمه المكان.

لكن ماذا بقي من هذه الجيرة في زمننا؟

لقد أصبحت بيوتنا أكثر ارتفاعًا، وأسوارنا أكثر إحكامًا، وأبوابنا أكثر أمانًا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن علاقاتنا أصبحت أكثر قربًا. قد يسكن عشرات الأشخاص في مبنى واحد، ويصعدون المصعد نفسه كل يوم، ثم لا يعرف أحدهم اسم الآخر. وقد تمر سنوات على جار وجاره لا يجمع بينهما إلا صوت إغلاق باب أو مصادفة عابرة في الطريق.

المشكلة ليست في تغير شكل الحياة؛ فالزمن يتغير، والخصوصية حق، والانشغال أصبح جزءًا من واقع الناس. المشكلة تبدأ حين تتحول الخصوصية إلى قطيعة، والاستقلال إلى لامبالاة، ونعتاد وجود الإنسان القريب منا حتى يصبح غريبًا لا نعرف عنه شيئًا.

وهنا يأتي «الجار السابع».

ليس المقصود به رقمًا في ترتيب البيوت، ولا منزلًا يأتي بعد ستة منازل. فالجار السابع هو ذلك الذي قد يكون قريبًا في المكان، لكنه بعيد عن دائرة اهتمامنا؛ هو كبير السن الذي أثقلته الأيام ويحتاج إلى من يسأل عنه، والأسرة التي حلّت حديثًا في الحي وتنتظر دفء الجيرة وحسن الاستقبال، والمريض الذي غاب عن الأنظار فكان السؤال عنه بابًا للمودة، والطفل الذي يستحق أن يجد في محيطه عينًا ترعاه، وكل من يشاركنا الحي وتجمعنا به حقوق الجوار وإن لم تجمعنا به قرابة أو معرفة سابقة.

فالجار السابع، في جوهره، ليس شخصًا بعينه، بل رمز لكل جار قد لا نراه قريبًا منا، بينما حقه في الجيرة أقرب مما نظن؛ ومن هنا يصبح مقياسًا لاتساع دائرة اهتمامنا بالآخرين، وصدق ما نحمله من قيم الجيرة والإحسان.

فمن السهل أن نحسن إلى من نعرفه ونحبه، لكن المعنى الأعمق للجيرة يظهر عندما يمتد الإحسان إلى من لا تربطنا به مصلحة ولا قرابة. سلام صادق، وسؤال عند الغياب، وتهنئة في الفرح، ومواساة عند الحزن، واحترام للراحة والخصوصية، وكف للأذى؛ أفعال تبدو صغيرة، لكنها هي التي تصنع الروح الحقيقية للأحياء.

والتكافل الاجتماعي لا يبدأ دائمًا بالمؤسسات والمشروعات الكبيرة. أحيانًا يبدأ من طبق طعام يصل إلى بيت، أو دواء يُجلب لكبير في السن، أو موقف سيارة نتركه لجار يحتاجه أكثر منا، أو صوت نخفضه احترامًا لمن حولنا، أو طفل نطمئن عليه حتى يصل إلى باب منزله.

هذه التفاصيل الصغيرة لا تدخل الإحصاءات، لكنها تدخل القلوب، ومنها تتشكل روح الحي ومعناه الحقيقي.

فنحن بحاجة إلى أن نعيد للحي معناه؛ ألا يكون المكان الذي نسكن فيه فقط، بل المكان الذي نسكن إليه. وأن ندرك أن أمن المجتمع لا تصنعه الأقفال وحدها، بل تصنعه أيضًا عين جار تحرس، وقلب جار يسأل، ويد جار تمتد عند الحاجة.

وقد لا نستطيع أن نعرف كل من يسكن مدينتنا، ولا أن نحمل هموم الجميع، لكننا نستطيع أن نبدأ بالدائرة الأقرب، ثم نوسعها قليلًا.

نعرف الأول، ونسأل عن الثاني، ونقف مع الثالث، ونحترم الرابع، ونواسي الخامس، ونحفظ حق السادس…

ثم لا ننسى الجار السابع، فالقرب الحقيقي لا تقيسه المسافات.

لأن المجتمعات لا تتماسك بكثرة البيوت، بل بقدرتها على بناء الجسور بينها.