حين يصبح الشعر بيتا للراحلين

هذه القصيدة ليست رثاءً لأخٍ وصديقٍ رحل، بالمعنى المألوف للرثاء، وإنما هي محاولة مستحيلة لاستعادة عالم كامل ابتلعه الموت دفعة واحدة. ولذلك فإن أول ما يلفت فيها أن السيد عدنان العوامي لا يبدأ من خبر الموت، بل يبدأ من الشعر نفسه: «ويسألني عنك ديوان شعري / لماذا أضعت بفقدك صبري». وكأن عبد الوهاب المهدي لم يكن شخصًا خارج القصيدة، بل كان جزءًا من تكوينها الداخلي؛ كان حاضرًا في أول قطرة حبر، وفي أول حرف، وفي أول سطر، بل حتى في أدق علامات الكتابة: «وفاصلة أنت رتبتها / تخيرتها من رحيق وعطر». وهنا تبلغ القصيدة واحدة من أجمل مناطقها؛ لأن الفقد لا يصبح فقد إنسان فقط، وإنما يصبح فقدًا للشخص الذي كان شريكًا في صناعة اللغة نفسها.
إن الشاعر لا يرثي أخاه من الخارج، بل يرثي جزءًا من ذاته كان يسكن فيه. ولهذا يسأل: «فمن بعد عينيك يا شاعري / يهذب شعري ويصلح نثري». هذه ليست مجاملة شعرية للراحل، وإنما اعتراف بحقيقة العلاقة بينهما؛ فالراحل كان قارئًا ومهذبًا وناقدًا وصاحب ذائقة، أي أنه كان جزءًا من العملية الإبداعية للشاعر. ومن هنا يصبح موته فراغًا في الشعر نفسه، لا في الحياة وحدها.
ثم إن القصيدة تتحرك في مسار شديد الذكاء من الديوان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الهاتف، ومن الهاتف إلى البيت، ومن البيت إلى الأطفال. وكأن الشاعر كلما حاول أن يمسك بخيط من الماضي، وجد أمامه حياة كاملة تنهار في يده.
«ومن ذا يقاسمني الذكريات
مابين حلو ومابين مر»
هذا البيت يلخص جوهر الفقد كله. الإنسان لا يخسر حين يموت عزيزُه شخصًا فحسب، بل يخسر شاهدًا على حياته. هناك أشياء لا يعرف معناها إلا اثنان، وذكريات لا يستطيع أحد أن يعيد تركيبها لأن أحد طرفيها غاب. ولذلك فإن موت عبد الوهاب جعل الشاعر يفقد شريك الذاكرة، لا شريك الأخوة فقط.
ولهذا تأتي المناجاة في لحظة مؤلمة:
«أأدعوك والموت سد الطريق
عليك بنار وهول وذعر»
هنا يواجه الشاعر الحقيقة التي يحاول طوال القصيدة أن يهرب منها: أن الموت أغلق الطريق بينهما. لكنه، رغم معرفته بذلك، يواصل الكلام. وهذه من أعمق خصائص القصيدة؛ فالشاعر يعرف أن الميت لا يستطيع الإجابة، ومع ذلك يسأله. إن الشعر هنا يصبح محاولة للكلام مع المستحيل.
ثم تأتي المفارقة التي تزيد المشهد وجعًا:
«وهبني دعوتك هل تستجيب
وفاء بعهدي وحفظا لذكري»
إنه يستدعي أخاه كما لو كان حيًا، ثم لا يلبث أن يراه آتيًا «مستبشرًا». وهنا لا يعود الشاعر قادرًا على الفصل بين الحقيقة والخيال. فالحزن الشديد يصنع للراحل حياة أخرى داخل الذاكرة، حياة يستطيع فيها الميت أن يعود للحظة، وأن يجيب، وأن يمشي، وأن يبتسم. ولذلك يقول:
«أتاني كعهدك مستبشراً
وهل في الحمام سبيل لبشر»
يا لها من لحظة شعرية موجعة! لقد جاءه كما كان يأتيه في الحياة، لكن الموت هو الذي يقف خلفه. فالبيت لا يصف عودة الميت، وإنما يكشف حاجة الشاعر إلى عودته.
غير أن القصيدة تبلغ ذروتها الحقيقية عندما تنتقل من الأخ إلى الأطفال. هنا يتغير الحزن من حزن شخصي إلى مأساة إنسانية كاملة. الشاعر لا يستطيع أن يكتفي بالسؤال عن أخيه، لأن عبد الوهاب لم يذهب وحده. لقد أخذت النار الأسرة كلها، ولذلك تنفجر الأسئلة:
«فقل لي بربك أين الصغار
وما حالهم في لهب وجمر»
وهذه الأسئلة ليست طلبًا للجواب، وإنما هي صورة للعجز أمام كارثة لا يستطيع العقل استيعابها. ثم يبدأ الشاعر باستحضار الأطفال واحدًا واحدًا: حميد، وفاطمة، ورقية، وندى. وهذه من أكثر مناطق القصيدة إنسانية؛ لأن الشاعر لا يذكرهم باعتبارهم أسماء في حادثة، بل يعيدهم إلى تفاصيلهم الصغيرة: طفل يغفو على ساعد أبيه، طفلة تنام في حضن أمها، طفلة ما زالت تلعب بمريولها، وندى التي يبحث لها عن المنام.
هنا تحديدًا تنجح القصيدة في مقاومة الموت. فالموت يريد أن يجعلهم أرقامًا في مأساة، والشاعر يعيد إليهم وجوههم وحركاتهم وأعمارهم وحنانهم. إن استدعاء «المريول» مثلًا ليس تفصيلًا عابرًا، بل ضربة شعرية شديدة القوة؛ لأن الذاكرة لا تحتفظ بالإنسان في صورته الكبرى فقط، وإنما تحفظه في الأشياء الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد. حين يقول:
«وكيف رقية؟ هل ما تزال
بمريولها بعد تلهو وتجري»
فإنه يعيد للطفلة حركتها قبل أن يعيد لها اسمها. وهذه هي قوة الذاكرة الشعرية: أنها لا ترثي الموتى، بل تعيد بناء حياتهم الصغيرة التي سلبها الموت.
وكذلك قوله:
«إيغفو حميد على ساعديك
خدًّا لخدّ وصدرًا لصدر»
فالصورة هنا ليست صورة رثاء، وإنما صورة أبوة. إنه يريد أن يستعيد العلاقة الجسدية الحميمة بين الأب وطفله قبل أن تبتلعها النار. ولذلك فإن «خدًّا لخدّ وصدرًا لصدر» أقوى من أي وصف مباشر للحزن؛ لأن الشاعر يجعلنا نرى ما فقدناه بدل أن يخبرنا فقط أننا فقدناه.
ثم يأتي سؤال «الفراخ»:
«وأنت لأين حملت الفراخ
على راحتيك إلى أي وكر؟»
وهذه استعارة بالغة الرقة. الأطفال صاروا فراخًا، والأب صار حامي العش، لكن النار أحرقت العش ومن فيه. وهنا تتداخل البراءة مع المأساة، وتصبح صورة الأسرة كلها صورة عش صغير اقتلعته النار من جذوره.
ولعل أكثر ما يميز القصيدة أن النار لا تظهر فيها بوصفها حادثًا ماديًا فقط، بل تتحول تدريجيًا إلى رمز للزمن حين يغدر، وللحظ حين ينقلب، وللحياة حين تصبح فجأة بلا رحمة. ولذلك يقول:
«لحا الله هذا الزمان الخؤون
فماذا جنيت ليقصم ظهري»
ثم:
«ترصدني في أحب الرجال
وأغلى الصحاب فاف لدهري»
إن الشاعر هنا لا يخاصم الموت وحده، بل يخاصم الزمن نفسه. يشعر أن الزمن تعمد أن يصيبه في أحب مواضع قلبه، ولذلك يصفه بـ«الخؤون». والخيانة هنا ليست أخلاقية بالمعنى المباشر، وإنما هي شعور الإنسان حين يكتشف أن العالم الذي كان يظنه مستقرًا قادر على أن ينقلب في لحظة واحدة.
والقصيدة في نهايتها تعود إلى أخيها كما بدأت، ولكن بعد أن تكون قد مرت بكل شيء: الشعر، والذاكرة، والصداقة، والبيت، والأطفال، والنار، والزمن، والموت. ولذلك يقول:
«لقد كنت لي يا أخي ساعدًا
دفء الحنان فآثر بتري»
ثم يعدد وظائف الأخ في حياته:
«وكنت لدي الصفي الأثير
وكنت سميري وموضع سري»
وهذه التعددية مهمة جدًا؛ لأن عبد الوهاب لم يكن بالنسبة إليه «أخًا» فقط. كان سندًا، وصفيًا، وسميرًا، وموضع سر. ولذلك فإن الموت هنا لا يأخذ علاقة واحدة، بل يأخذ شبكة كاملة من العلاقات.
ومن أجمل ما في القصيدة قوله:
«هواك هواي وعشقك عشقي
وشأنك شأني وأمرك أمري»
إن التكرار هنا ليس حشوًا، وإنما هو إعلان عن شدة الامتزاج بين الذاتين. لقد وصل الشاعر إلى مرحلة لا يستطيع معها أن يرسم حدودًا واضحة بين «أنا» و«أنت». ولذلك كان رحيل عبد الوهاب نوعًا من الاقتطاع من الشاعر نفسه.
ولهذا تأتي الصورة التالية شديدة العنف:
«وتسترق الطيب من زورقي
وتهشم كأسي وتسفك خمري»
فالراحل لم يكن مجرد راكب في زورق الشاعر، بل كان جزءًا من الرحلة نفسها. وعندما رحل، لم يفرغ مكانه فقط، وإنما تهشم الكأس وانسكب الخمر، أي انكسر شيء من متعة الحياة ذاتها.
ثم تأتي مجموعة التشبيهات في الخاتمة:
«كرفة ظل
كرعشة قطر
كتمتمة بعثرتها الرياح
كمزنة صيف تلاشت بنهر»
وهذه الصور تكشف إدراك الشاعر لطبيعة الحياة: حضور سريع، خفيف، هش، لا يكاد يثبت حتى يزول. لكنها أيضًا تكشف أن الشاعر بدأ يحول التجربة الشخصية إلى رؤية وجودية؛ فالإنسان في النهاية ظل، وقطرة، وتمتمة، ومزنة صيف. ليس لأن حياته بلا قيمة، وإنما لأن قيمتها شديدة الهشاشة أمام الموت.
ومع ذلك تأتي واحدة من أشد الضربات إيلامًا:
«كأنك ما عشت بيننا
على كل جفن وفي كل ثغر»
فالموت لا يكتفي بأخذ الإنسان، بل يكاد يمحو حضوره المادي. والشاعر يقاوم هذا المحو بقوله إنه كان «على كل جفن وفي كل ثغر». أي أن الراحل انتقل من الجسد إلى الذاكرة، ومن البيت إلى الوجوه، ومن الحياة القصيرة إلى اللغة.
أما الخاتمة:
«إذا لم تفض من جفوني الدموع
تروي ثراك فما هو عذري»
فهي خاتمة تقليدية في ظاهرها، لكنها منطقية جدًا في البناء النفسي للقصيدة؛ لأن الشاعر ظل طوال النص يؤجل البكاء بالكلام، يستدعي، ويسأل، ويحاور، ويتذكر، حتى يصبح البكاء في النهاية هو اللغة التي لا تستطيع الكلمات أن تحملها.
ولدي ملاحظة أساسية على هذه القصيدة: قوتها الكبرى ليست في الصور البلاغية وحدها، ولا في فخامة اللغة، وإنما في صدقها الداخلي. لقد كتب عدنان العوامي من منطقة لا يستطيع الشاعر أن يتصنع فيها كثيرًا؛ منطقة الفقد الحقيقي. ولذلك حين تتعثر بعض الصور أو تتزاحم بعض التشبيهات في مواضع قليلة، لا تسقط القصيدة، لأن النبع الذي تصدر عنه أعمق من الصنعة.
وربما يمكن القول إن القصيدة، في بعض مقاطعها، كانت تحتاج إلى شيء من الاقتصاد؛ فالحزن الصادق أحيانًا يكون أقوى حين يترك فراغًا بين صورة وأخرى. لكن هذا ليس عيبًا كبيرًا أمام طبيعة التجربة؛ فالشاعر لم يكن يكتب قصيدة رثاء باردة، وإنما كان يكتب تحت ضغط فاجعة هائلة، وكان من الطبيعي أن تتدفق الذكريات والصور والأسئلة كما يتدفق الحزن نفسه.
والأجمل من ذلك كله أن الشاعر لم يسمح للموت أن يكون الكلمة الأخيرة. عبد الوهاب يموت في الواقع، لكن القصيدة تعيده حيًا في تفاصيله: في الديوان، والحبر، والفاصلة، والرفقة، والبيت، والأطفال، والسر، والسمير، والحنان. وهذه هي الوظيفة العميقة للشعر في مواجهة الفناء: أن يقول للموت إنك تستطيع أن تأخذ الجسد، لكنك لا تستطيع أن تأخذ الأثر.
لهذا أرى أن «كلمات من دفتر الحزن» ليست قصيدة عن موت عبد الوهاب حسن المهدي وأسرته فقط، وإنما هي قصيدة عن عجز الإنسان أمام الفقد، وعن الذاكرة حين تتحول إلى بيت أخير للأحياء والأموات معًا، وعن الشعر حين يصبح الوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها المحب أن يظل واقفًا أمام من رحل ويقول له: ما زلت هنا، وما زلت أخاطبك، وما زلت أراك.
وربما لهذا السبب تحديدًا بقيت القصيدة حيّة بعد أكثر من أربعين عامًا على تلك الليلة المفجعة؛ لأن عدنان العوامي لم يرثِ رجلًا مات، بل أنقذ حياةً كاملة من أن تموت مرة ثانية.
لم يكن مجرد راكب في زورق الشاعر، بل كان جزءًا من الرحلة نفسها. وحين غاب، لم يفقد الشاعر رفيقًا من رفاق الطريق فحسب، وإنما فقد جزءًا من الطريق ذاته؛ فقد ذلك الإنسان الذي كانت الأيام معه تُقاس لا بعددها، وإنما بما فيها من ألفة وذكريات وأحاديث وأسرار. ولذلك فإن الصورة في قوله:
«وتسترق الطيب من زورقي
وتهشم كأسي وتسفك خمري»
ليست صورة لفقد صديق وحسب، بل صورة لانقلاب الحياة بعده. فالزورق هو رحلة العمر، والطيب هو ما ادخره الشاعر من جمال هذه الرحلة، والكأس هو لحظة الفرح التي كان يتقاسمها مع أخيه، والخمر هو نشوة الصحبة. وحين يرحل الرفيق، لا يبقى الشيء كما كان؛ كأن يدًا غادرة امتدت إلى الرحلة كلها، لا إلى شخص واحد.
ثم يصرخ الشاعر في وجه الزمن:
«رفيق الصبا مالهذا الزمان
يضن بصفو ويسخو بغدر»
وهنا تتحول القصيدة من خطاب الأخ إلى محاكمة الزمن. فالشاعر لا يفهم كيف يمكن لزمنٍ شاركهما الصبا أن يتحول فجأة إلى قاتل. وعبارة «رفيق الصبا» عميقة جدًا؛ لأن من يشاركنا الصبا لا يسكن في حاضرنا فقط، بل يسكن في الطبقة الأولى من ذاكرتنا، حيث تشكلت الأشياء الأولى: الصداقة، والدهشة، والضحكة، والقصيدة، وأيام لم نكن نعرف أنها ستصبح يومًا أثمن ما نملك.
ومن هنا فإن موت عبد الوهاب هو أيضًا موت لجزء من الصبا نفسه.
ثم تتتابع الصور:
«أَتُجتث من هذا الأديم
كرفة ظل كَرعشة قطر
كتمتمة بعثرتها الرياح
كمزنة صيف تلاشت بنهر»
وهذه من أكثر المقاطع دلالة على رؤية الشاعر للموت. إنه يحاول أن يفهم المفارقة بين عظمة الإنسان في الذاكرة وسرعة اختفائه من العالم. كيف يمكن لمن كان بيتًا من الذكريات، ورفيقًا للعمر، ووجهًا حاضرًا في كل التفاصيل، أن يُقتلع من الحياة كما يُقتلع ظل، أو تتلاشى قطرة، أو تتبعثر تمتمة في الريح؟
لكن الشاعر، وهو يشبهه بهذه الأشياء العابرة، لا يقلل من شأنه، بل يكشف فداحة الموت؛ فالموت قادر على أن يجعل الثابت عابرًا، والكبير صغيرًا أمام لحظة الفناء.
ثم يقول:
«كأنك ما عشت بيننا
على كل جفن وفي كل ثغر»
وهنا تبلغ القصيدة ذروة أخرى. إن الخوف الحقيقي ليس موت الجسد، وإنما أن يأتي النسيان بعد الموت. ولذلك يرفض الشاعر أن يسمح للموت بأن يقول إن عبد الوهاب لم يعد موجودًا. إنه يضعه «على كل جفن وفي كل ثغر»، أي في العيون التي أحبته، وفي الأفواه التي تحدثت عنه، وفي الذاكرة التي لم تعد قادرة على رؤيته إلا بصورة جديدة.
وهنا يتحول الشعر إلى مقاومة للنسيان.
فالقصيدة كلها، في جوهرها، ليست محاولة لاسترجاع الموتى إلى الحياة، فهذا مستحيل، وإنما محاولة لمنعهم من الموت مرة أخرى داخل الذاكرة. لقد ماتوا مرة بالنار، والشاعر يريد ألا يموتوا مرة ثانية بالنسيان.
ولهذا تأتي الخاتمة شديدة الصدق:
«فوا أسفي والأسى لا يبل
جراحًا تفور وتغلي بصدري»
إن الأسى هنا ليس دمعة عابرة، بل جرح حي. واللافت أن الشاعر لم يقل «تؤلم صدري»، بل قال «تفور وتغلي»، وكأن الحزن مادة مشتعلة انتقلت من البيت المحترق إلى صدره. النار التي أنهت حياة الأسرة أصبحت نارًا داخلية لا تنطفئ.
ثم لا يجد الشاعر في النهاية إلا الدموع:
«إذا لم تفض من جفوني الدموع
تروي ثراك فما هو عذري»
وهنا يصبح البكاء وفاءً. كأن الشاعر يشعر أن الكلمات، مهما بلغت، لا تزال عاجزة عن أداء حق الراحل، وأن عليه أن يقدم شيئًا آخر لا يستطيع الشعر وحده أن يقدمه: الدموع.
ومن هنا أرى أن قوة هذه القصيدة لا تكمن في أنها قصيدة رثاء طويلة، ولا في كثرة صورها، وإنما في أنها كتبت من داخل علاقة إنسانية عميقة. الشاعر لا يقول لنا إن عبد الوهاب كان عزيزًا عليه، بل يجعلنا نكتشف ذلك بأنفسنا: كان أخًا، وصديق صبا، وسميرًا، وموضع سر، وساعدًا، وشريكًا في الذكريات، بل كان حاضرًا في تكوين القصيدة نفسها.
وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن أجمل ما في المرثية أن الميت لا يبقى موضوعًا لها، وإنما يصبح جزءًا من بنيتها. عبد الوهاب ليس شخصًا يتحدث عنه عدنان، بل صوتًا خفيًا يتحرك داخل القصيدة من أولها إلى آخرها.
ولذلك فإن أجمل قراءة لهذه القصيدة، في ظني، ليست أن نقول إنها قصيدة عن الموت، وإنما إنها قصيدة عن الإنسان حين يحاول أن يحتفظ بمن يحب بعد أن يأخذه الموت. إنها قصيدة عن الذاكرة حين تصبح آخر بيت للراحلين، وعن الشعر حين يتحول من فن إلى ضرورة، ومن تعبير عن الحزن إلى وسيلة للبقاء.
وإذا كان الموت قد استطاع أن يهدم البيت ويأخذ الأسرة في تلك الليلة المفجعة، فإن عدنان العوامي أقام لهم بيتًا آخر لا تحرقه النار ولا تهدمه السنوات: بيت القصيدة.
وهذا هو الانتصار الوحيد الذي يستطيع الشعر أن يحققه أمام الموت؛ أن يستعيد الذين فقدناهم لا بأجسادهم، وإنما بأصواتهم، وملامحهم، وأسمائهم، ودفء حضورهم، وأن يجعلهم يعيشون فينا كلما قرأنا قصيدة صادقة كُتبت من قلب الفقد.
ولهذا بقي عبد الوهاب، وبقي أطفاله، وبقيت تلك الأسرة في الذاكرة؛ لا لأن الموت لم يأخذهم، بل لأن شاعرًا أحبهم كثيرًا رفض أن يترك الموت يستأثر بهم وحده.
َيَسْأَلُنِي عَنْكَ دِيوَانُ شِعْرِي … لِمَاذَا أَضَعْتُ بِفَقْدِكَ صَبْرِي
قَوَافِيهِ مَا زَالَ فِي نَبْضِهَا … صَدًى مِنْ رَفِيفِ خَيَالِكَ يَسْرِي
وَأَوَّلُ قَطْرَةِ حِبْرٍ بِهِ … وَأَوَّلُ حَرْفٍ، وَأَوَّلُ سَطْرِ
وَأَضْيَقُ حَاشِيَةٍ ضَمَّهَا … عَلَيْهَا يَرَاعُكَ يَجْرِي فَيُثْرِي
وَفَاصِلَةٌ أَنْتَ رَتَّبْتَهَا … تَخَيَّرْتَهَا مِنْ رَحِيقٍ، وَعِطْرِ
تُسَائِلُنِي: كَيْفَ أَوْدَى المَنُونُ … بِخِدْنِ صِبَايَ وَصَاحِبِ عُمْرِي
فَمَنْ بَعْدَ عَيْنَيْكَ يَا شَاعِرِي … يُهَذِّبُ شِعْرِي وَيُصْلِحُ نَثْرِي
وَيَسْهَرُ لِي اللَّيْلَ يَتْلُو عَلَيَّ … وَأَتْلُو عَلَيْهِ مُعَانَاةَ فِكْرِي
وَمَنْ ذَا يُقَاسِمُنِي الذِّكْرَيَاتِ … مَا بَيْنَ حُلْوٍ وَمَا بَيْنَ مُرِّ
وَمَنْ لِي أُهَاتِفُهُ فِي المَسَاءِ … إِذَا يَمَّمَ الصَّحْبُ لَيْلًا مَقَرِّي
أَأَدْعُوكَ وَالمَوْتُ سَدَّ الطَّرِيقَ … عَلَيْكَ بِنَارٍ وَهَوْلٍ وَذُعْرِ
وَهَبْنِي دَعَوْتُكَ؛ هَلْ تَسْتَجِيبُ … وَفَاءً بِعَهْدِي وَحِفْظًا لِذِكْرِي
أَتَأْتِي كَعَهْدِكَ مُسْتَبْشِرًا … وَهَلْ فِي الحِمَامِ سَبِيلٌ لِبِشْرِ
أَخِي أَنْتَ وَالعَهْدُ مَا بَيْنَنَا … مَصِيرُكَ هَذَا يُذِيبُ وَيَفْرِي
فَقُلْ لِي بِرَبِّكَ أَيْنَ الصِّغَارُ … وَمَا حَالُهُمْ فِي لَهِيبٍ وَجَمْرِ
أَيَغْفُو حَمِيدٌ عَلَى سَاعِدَيْكَ … خَدًّا لِخَدٍّ وَصَدْرًا لِصَدْرِ
وَفَاطِمَةُ هَلْ أَنَامَتْ حُسَيْنًا … عَلَى صَدْرِهَا فِي حَنَانٍ وَطُهْرِ
وَكَيْفَ رُقَيَّةُ؟ هَلْ مَا تَزَالُ … بِمِرْيُولِهَا بَعْدُ تَلْهُو وَتَجْرِي؟
وَأَمَّا نَدَى! هَلْ أَفَاقَ المَنَامُ … إِلَى هَدْيِهَا، أَلَمْ تَكُ تَدْرِي؟
وَأَنْتَ لِأَيْنَ حَمَلْتَ الفِرَاخَ … عَلَى رَاحَتَيْكَ إِلَى أَيِّ وَكْرِ؟
كَلُوَيْنَاتٍ مِنْ نُجُومِ البَوَادِرِ … تَسْبِي القُلُوبَ، وَتُلْهِي، وَتُغْرِي
لِمَاذَا يُهَالُ عَلَيْهَا التُّرَابُ … لِمَاذَا تُسَاقُ لِظُلْمَةِ قَبْرِ
لَحَا اللهُ هَذَا الزَّمَانَ الخَؤُونَ … فَمَاذَا جَنَيْتُ لِيَقْصِمَ ظَهْرِي
تَرَصَّدَنِي فِي أَحَبِّ الرِّجَالِ … وَأَغْلَى الصِّحَابِ فَأُفٍّ لِدَهْرِي
لَقَدْ كُنْتَ لِي يَا أَخِي سَاعِدًا … دَفِيءَ الكِنَانِ فَآزَرَ بَتْرِي
وَكُنْتَ لَدَيَّ الصَّفِيَّ الأَثِيرَ … وَكُنْتَ سَمِيرِي وَمَوْضِعَ سِرِّي
هَوَاكَ هَوَايَ وَعِشْقُكَ عِشْقِي … وَشَأْنُكَ شَأْنِي وَأَمْرُكَ أَمْرِي
وَبَيْتُكَ فِي زَهْوَةِ العُنْفُوَانِ … حَدِيقَةُ وَرْدِي وَمَشْتَلُ زَهْرِي
فَعَاجَلَنِي الحَظُّ فِي غَفْلَتِي … بِسَاعَةِ نَحْسٍ، تَطُوحُ بِذُخْرِي
وَتَسْرِقُ الطِّيبَ مِنْ دَوْرَقِي … وَتُهَشِّمُ كَأْسِي وَتَسْفَحُ خَمْرِي
رَفِيقَ الصِّبَا مَا لِهَذَا الزَّمَانِ … يَضِنُّ بِصَفْوٍ وَيَسْخُو بِغَدْرِ
أَتُجْتَثُّ مِنْ فَوْقِ هَذَا الأَدِيمِ … كَرَفَّةِ ظِلٍّ، كَرَعْشَةِ قَطْرِ
كَتَمْتَمَةٍ بَعْثَرَتْهَا الرِّيَاحُ … كَمُزْنَةِ صَيْفٍ تَلَاشَتْ بِنَهْرِ
كَأَنَّكَ مَا عِشْتَ مَا بَيْنَنَا … عَلَى كُلِّ جَفْنٍ وَفِي كُلِّ ثَغْرِ
فَوَا أَسَفِي وَالأَسَى لَا يُبِلُّ … جِرَاحًا تَفُورُ، وَتَغْلِي بِصَدْرِي
إِذَا لَمْ تَفِضْ مِنْ جُفُونِي الدُّمُوعُ … تُرَوِّي ثَرَاكَ فَمَا هُوَ عُذْرِي












