آخر تحديث: 3 / 10 / 2026م - 11:20 ص

كيف ترى أثر الشيطان.. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ

مصطفى صالح الزير


كان حديثنا في ذلك المساء هادئًا، لكن سؤال صديقي فتح أمامنا مساحة واسعة للتأمل.

قال:

هناك شيء يشغلني منذ فترة طويلة؛ القرآن يقول إن الشيطان «عدو مبين»، ونحن لا نراه، فكيف نتعامل مع شيء لا نراه؟

ابتسمت وقلت:

ربما لا نحتاج دائمًا إلى أن نراه حتى نعرف كيف نتعامل معه. أحيانًا يكفي أن نتعلم مراقبة أنفسنا ومحاسبتها بشكل يومي.

إن القرآن لم يترك الإنسان أمام عدو مجهول، بل عرّفه بهدوء ووضوح، فقال تعالى:

﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: 22].

وقال سبحانه:

﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يوسف: 5].

بل إن القرآن لا يكتفي بإخبارنا بعداوته، وإنما يعلّمنا كيف نتعامل مع هذه المعرفة:

﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6].

تأمل:

﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ .

فالمطلوب ليس أن نعيش خائفين منه، وإنما أن نكون واعين بمداخله، فلا نعطيه زمام أنفسنا.

لقد أعلن الشيطان عداوته منذ بداية قصة الإنسان، وأقسم أن يبذل جهده في إغواء بني آدم، فقال تعالى:

﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17].

ومع ذلك استثنى عباد الله المخلصين:

﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83].

ثم يقول تعالى:

﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27].

قلت لصديقي:

لكن الجميل أن هذه المعرفة لا تدعونا إلى الخوف، بل إلى اليقظة. فالإنسان حين يعرف مداخل ضعفه يصبح أقدر على التعامل معها.

قد تكون لحظة غضب، أو حساسية تجاه كلمة، أو سوء فهم، أو سوء ظن، أو رغبة في الرد بسرعة.

وهنا تبدأ مساحة الوعي:

ماذا يحدث في داخلي الآن؟

قلت:

هنا تأتي آية من أجمل الآيات في تربية الإنسان على إدارة الاختلاف؛ يقول تعالى:

﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [الإسراء: 53].

تأمل كلمة ﴿أَحْسَنُ﴾ .

لم يقل سبحانه: يقولوا الحسن، وإنما قال:

﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .

فالمطلوب ليس فقط أن يكون كلامك حسنًا، وإنما أن تبحث عن الأحسن.

الأحسن في المحتوى، والأحسن في البيان، والأحسن في الأسلوب، والأحسن في مراعاة حال المخاطَب، والأحسن في الجمع بين قوة الدليل ومكارم الأخلاق والأساليب الإنسانية.

قد تكون لديك الفكرة الصحيحة، لكن أمامك أكثر من طريقة لعرضها؛ وهنا تأتي التربية القرآنية:

اختر الأحسن.

وهذا يصبح أكثر أهمية عندما يكون الطرف الآخر مخالفًا لك؛ ناهيك عن أن يكون قريبًا منك.

فأنت لا تختار الأحسن لأن الآخر يوافقك، بل لأن الله يأمرنا وأهل البيت يوصونا، ولأن حُسن خُلقك وأدبك مع الحق لا ينفصل عن تعاملك مع كافة البشر.

ثم تأتي الآية لتبين لنا لماذا:

﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ .

لاحظ التعبير:

﴿يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ .

فالنزغ قد يدخل إلى المسافة بين الإنسان والإنسان «زوج - زوجة - أبناء - أقرباء - أصدقاء».

قد يبدأ الخلاف بفكرة، ثم تأتي كلمة قاسية، ثم نبرة صوت عالية «ينطق فيها الشيطان على لسانك»، ثم نظرة حادة «ينفذ منها الشيطان بعينك»، ثم سوء فهم، فيتحول الحوار من محاولة للفهم إلى رغبة في الانتصار.

فالشيطان في بعض الأحيان قد لا يبدأ بصناعة الخلاف، لكنه قد يستثمر طريقة «إدارة الخلاف».

قد تكون هناك كلمة بسيطة، فنفسرها بأقسى احتمال.

وقد يكون هناك صمت، فنراه تجاهلًا.

وقد يكون اختلاف، فنراه عداءً.

وقد تكون لدينا حجة صحيحة، لكن طريقة عرضها تكون قاسية، فيتحول الحوار من البحث عن الحقيقة إلى الدفاع عن الكرامة والانتصار للنفس.

وهنا قد نبدأ في التعامل مع تفسيرنا للموقف وكأنه الموقف نفسه.

قد يقول شخص كلمة؛ هذه حقيقة.

أما أن يكون قد قصد بها إهانتك، فهذا تفسير يحتاج إلى دليل.

وقد يتأخر شخص عن الرد؛ هذه حقيقة.

أما أن يكون متعمدًا تجاهلك، فهذا تفسير.

ولهذا من الجميل أن نتعلم الفصل بين الحدث وتفسيرنا له، وأن نترك مساحة لاحتمالات أخرى قبل أن نحكم.

قال صديقي:

يبدو أن الهدوء هنا يلعب دورًا كبيرًا.

قلت:

جدًا.

فالهدوء لا يمنعك من رؤية المشكلة، بل يساعدك على رؤيتها بحجمها الحقيقي.

والغضب شعور إنساني طبيعي، لكن عندما يرتفع الانفعال بشدة، قد تتأثر قدرتنا على التمهل والتقييم المرن وكبح الاستجابة الاندفاعية، ولهذا قد يكون الإنسان في حال هدوئه أكثر قدرة على رؤية الخيارات، ثم تضيق مساحة الاختيار عندما يشتد انفعاله وغضبه وتصبح قراراته غير سليمة.

ليس لأن عقله اختفى، وإنما لأن جودة التمييز والتنظيم قد تتأثر تحت شدة الانفعال.

قال صديقي:

إذن المطلوب التحكم بالغضب؟

قلت:

نعم.

الغضب شعور، والمشاعر جزء من إنسانيتنا. المهم ألا يتحول الشعور إلى قائد.

وهنا يأتي الجمال في قول الله تعالى:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

كظم الغيظ لا يعني أنك لم تشعر بالغضب، وإنما يعني أنك لم تسمح للغضب أن يختار عنك.

أن تشعر، ثم تتأنى.

أن تتأثر، ثم تفكر.

أن تختلف، ثم تختار الأحسن.

وهنا تبدأ السيادة على النفس.

تخيل أنك تلقيت رسالة أزعجتك.

قبل أن ترد، توقف لحظة.

هل تريد أن ترد لأن هذا هو القرار الصحيح، أم لأنك غاضب؟

إذا غضبت، تمهل.

إذا انفعَلت، لا تفسر النوايا.

إذا اشتد شعورك، لا تتخذ قرارًا كبيرًا.

خذ مسافة صغيرة بين الشعور والفعل.

فهذه المسافة قد تكون أحيانًا مساحة حريتك كلها.

السيادة على النفس ليست أن تتحكم في الآخرين، ولا أن تنتصر في كل نقاش، ولا أن تجعل الجميع يوافقونك.

السيادة على النفس أن يبقى قرارك حكيماً سليماً.

أن تشعر بالغضب دون أن يقودك غضبك.

أن تسمع رأيًا مخالفًا دون أن تفقد هدوءك.

أن تتعرّض للاستفزاز، دون أن تمنح الاستفزاز مفاتيح قلبك؛ فلا تترك للشيطان منفذًا يستقر منه في مشاعرك، فيتحكم في أفكارك، ويشوّه تفسيرك، ويدفعك إلى ردٍّ قد تندم عليه.

القوة في ألا تجعل ما استفزّك يقودك.

أن تعرف ما تشعر به، ثم تختار كيف تتصرف.

وهنا تذكرت معنى عظيمًا من كربلاء.

قلت لصديقي:

أشعر أن طريق التوبة وطريق كربلاء يلتقيان في معنى عميق: أن يستعيد الإنسان سيادته على نفسه.

فالتوبة ليست فقط أن تقول: «أخطأت»، بل أن تكتشف كيف وصلت إلى الخطأ وتعالج موضعه ومداخله.

أين بدأ الغضب؟

أين دخل سوء الظن؟

متى اخترت أقسى تفسير؟

متى تحولت الفكرة إلى يقين دون دليل؟

ومتى أصبحت تستجيب للانفعال بدل أن تختار الهدوء والحلم؟

يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

ولهذا أحب وصف القرآن «للتوّابين».

فالتوّاب ليس إنسانًا لم يخطئ قط، وإنما إنسان يعرف طريق العودة والرجوع سريعًا.

كلما اكتشف خللًا في نفسه أصلحه.

وكلما ابتعد عاد.

وكلما عرف بابًا من أبواب ضعفه، أصبح أكثر وعيًا به.

وهذا معنى جميل في التربية:

ليس المطلوب أن تكون إنسانًا لا يخطئ، بل أن تكون إنسانًا يتعلم من خطئه ويعود إلى الله.

قال صديقي مرة أخرى:

وإذا شعر الإنسان أنه دخل في حالة نزغ أو انفعال؟

قلت:

القرآن يعطيه طريقًا واضحًا:

﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأعراف: 200].

والاستعاذة ليست مجرد كلمة نقولها، بل يمكن أن تكون معها يقظة.

أن تعرف أن هذه لحظة غضب، فتهدأ.

وأن تعرف أن هذا سوء ظن، فتتحقق.

وأن تعرف أن هذا انفعال، فتؤجل القرار.

وهكذا يتحول الوعي من فكرة إلى ممارسة.

وربما أجمل ما في الأمر أننا لسنا مطالبين بأن نعيش خائفين من مشاعرنا.

لسنا مطالبين بأن نكون بلا غضب، ولا حزن، ولا تأثر.

نحن مطالبون بشيء أجمل:

أن نفهم مشاعرنا بوعي وهدوء دون أن نفقد حريتنا أمامها.

فقد تكون هذه الأسئلة الصغيرة بداية بصيرة كبيرة:

ماذا يحدث في داخلي الآن؟

هل أنا أرى الحقيقة، أم أرى تفسيرًا صنعه انفعالي؟

وهل أستطيع أن أختار الأحسن؟

حين يراقب الإنسان نفسه ويحاسبها، يبدأ في معرفة مداخل الشيطان والنفس الأمارة بالسوء،

ويصبح أقدر على اختيار الطريق الصحيح.

وحين يتعلم أن يختار الأحسن، يصبح أكثر قدرة على حماية قلبه وعلاقاته من النزغ الشيطاني.

وهنا يتحول معنى ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ إلى موقف إيجابي عملي:

أن تعرف ما لا تريد أن يقودك،

حتى تعرف ما الذي تريد أن يقودك.

دع القرآن يقودك إلى الأحسن.

ودع الهدوء يمنحك مساحة الاختيار.

ودع التوبة تعيدك كلما ابتعدت.

ثم عاد المساء إلى هدوئه.

كانت الأصوات من حولنا قد خفتت، وبقي ذلك الركن الذي بدأ منه حديثنا هادئًا كما كان.

قال صديقي:

في البداية كنت أسأل: كيف نتعامل مع عدو لا نراه؟

ابتسمت وقلت:

وربما أصبح السؤال الآن مختلفًا قليلًا.

نظر إليّ منتظرًا.

قلت:

بدل أن ننشغل بمحاولة رؤية العدو، يمكن أن نتعلم أن نرى أنفسنا بوضوح أكبر.

أن نلاحظ اللحظة التي يبدأ فيها الغضب.

وأن نفرّق بين ما حدث فعلًا وبين القصة التي صنعها انفعالنا حول ما حدث.

وأن نتوقف قبل الرد السريع الإنفعالي.

وأن نسأل أنفسنا: هل هذه هي الكلمة التي أريد أن أقولها فعلًا، أم أنني أستجيب لما أشعر به الآن من حالة غضب عابرة؟

فالإنسان لا يملك دائمًا اختيار ما يحدث له، لكنه يملك مساحة في كيفية استجابته له.

قد تأتيه كلمة، ويبقى له أن يختار كيف يفهمها.

وقد يشعر بالغضب، ويبقى له أن يختار ماذا يفعل.

وقد يختلف مع إنسان، ويبقى له أن يحفظ أدبه معه.

وهنا يصبح الوعي والهدوء أكثر من مجرد فكرة؛ يصبحان قدرة على الاختيار، وقوة نضبط بها حالاتنا النفسية العابرة، فلا تقودنا لحظة غضب، ولا يسوقنا استفزاز عابر، بل نبقى نحن أصحاب القرار في ما نشعر به وما نفعله.

نظر صديقي إلى المكان من حوله وقال:

إذن التوبة أيضًا نوع من استعادة هذه القدرة؟

قلت:

والأجمل أن العودة إلى الله لا تقوم على الخوف وحده، بل على المحبة والمعرفة؛ فكلما عرف الإنسان ربه أكثر «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، عرف مقدار لطفه به، وأدرك أن الله هو الذي يجري له الخير في كل أحواله، ويفتح له أبواب الرحمة حتى في اللحظات التي يظن فيها أن الأبواب قد أُغلقت.

وحين يستشعر الإنسان أن الله يحبه ويرعاه، وأن رحمته به أعظم من رحمة أمّه به، يستحي أن يعصي المحبوب، لا خوفًا من العقوبة فحسب، وإنما حياءً من أن يقابل كل هذا اللطف بالجفاء.

ومن هنا تصبح التوبة استعادةً جميلة للعلاقة مع الله؛ كلما تعثرنا عدنا، وكلما ضعفنا استعنا، وكلما ابتعدنا اشتقنا إلى الطريق من جديد. فالتائب الحقيقي لا يقول: كيف أخطأت؟ فقط، بل يقول أيضًا: كيف أعود إلى من لم يغلق بابه في وجهي أبدًا؟.

ثم ساد بيننا صمت قصير.

كان السؤال الذي بدأ به حديثنا عن عدو لا نراه، قد قادنا في النهاية إلى شيء نراه كل يوم، لكنه يحتاج إلى كثير من الوعي والهدوء:

أيها القارئ المبارك: «لا تتخذ قرارات دائمة مبنية على مشاعر مؤقتة». قد تمر بك لحظة غضب أو حزن أو انفعال، فتبدو لك الأمور مختلفة، لكن المشاعر تتغير، وما تراه في لحظة عابرة قد لا تراه بالطريقة نفسها حين تهدأ. والحمد لله رب العالمين.