آخر تحديث: 3 / 10 / 2026م - 11:35 م

دفترٌ قديم

فوزي آل غريب *

دفترٌ قديم…
وجدتُه مصادفةً
في آخرِ درجٍ
لم تفتحه يدي منذ أعوام،
كأنّ البيتَ أخفاه عنّي
حتى أصبح قلبي قادرًا
على احتمال ما فيه.

كان دفترًا قديمًا،
باهت الغلاف،
تعبت زواياه
من كثرة ما حملته الأصابع،
وعلى صفحاته
غبارٌ خفيف
يشبه ما تتركه السنوات
على الأشياء التي أحببناها
ولم نملك شجاعة التخلّص منها.

فتحته…

فلم أجد كلماتٍ فقط،
وجدتُ رجلًا كان يشبهني
قبل أن تعلّمه الحياة
كيف يُخفي دهشته.

كان خطّي هناك
أكثر اندفاعًا،
والأحلام أكبر من هوامش الورق،
والقلب يكتب أسماءه
دون أن يخشى
أن تتحوّل الأسماء يومًا
إلى وجع.

في الصفحة الأولى
موعدٌ لم أعد أذكره،
وفي الثانية
رقمُ هاتفٍ مات صاحبه
وبقي الرقم حيًّا،
وفي الثالثة
جملةٌ تحتها خطّان:

«لن يتغيّر شيء بيننا.»

ابتسمتُ طويلًا…

كم كانت الكلمات بريئة
حين لم تكن تعرف المستقبل.

قلبتُ الصفحة،
فسقطت منها وردةٌ يابسة،
خفيفةٌ إلى الحدّ
الذي جعلني أخاف أن ألمسها.

لم أتذكّر
مَن وضعها هناك،
لكن قلبي تذكّر.

وهذه إحدى حِيَل الذاكرة:
أن تنسى الاسم،
وتحتفظ بالخفقان.

واصلتُ القراءة،
فوجدتُ رسائل لم أرسلها،
اعتذاراتٍ تأخّرت،
وعتابًا كان يمكن
أن ينقذ أشياء كثيرة
لو امتلكتُ يومها
شجاعة الكلام.

وجدتُ أصدقاء
كانوا يملؤون الصفحات،
ثم ضاقت بهم الحياة
حتى لم يبقَ منهم
سوى أسماءٍ مكتوبة بقلمٍ أزرق.

ووجدتُ وجوهًا
ظننتُ أنني نسيتها،
فما إن مرّت أصابعي فوق حروفها
حتى نهضت من الورق
بضحكاتها،
وأصواتها،
والطرقات التي مشيناها معًا.

يا لهذا الدفتر…

كم من الناس يسكنونك
ولا يعرفون
أن لهم بيتًا صغيرًا
في درجٍ قديم!

وفي منتصفه
وجدتُ صفحةً بيضاء.

توقفتُ عندها طويلًا.

كل الصفحات قبلها
كانت مزدحمةً بالحياة،
إلا هي…

كأنني في ذلك اليوم
كنتُ أريد أن أكتب شيئًا
ثم حدث ما جعل الكلمات
أقلَّ من أن تُقال.

حاولتُ أن أتذكّر،
لكن بعض الحكايات
لا تحفظها الذاكرة على عتباتها،
بل تخبّئها في قاع الروح،
وحين نقترب منها،
نشعر بالألم
ولا نعرف السبب.

أغلقتُ الدفتر قليلًا،
وضممته بين كفّي.

وفكرت:

نحن لا نكبر حقًّا،
نحن فقط
نترك نسخًا قديمةً من أنفسنا
في الأماكن التي مررنا بها؛
واحدةً في بيت الطفولة،
واحدةً في صورة،
واحدةً في قلب شخصٍ لم نعد نراه،
وأخرى
بين صفحات دفتر.

ثم فتحته عند الصفحة الأخيرة.

لم يكن فيها
إلا سطرٌ واحد
كتبته منذ زمن:

«غدًا سأبدأ حياةً جديدة.»

نظرتُ إلى التاريخ…

ومضت منذ ذلك الغد
سنواتٌ كثيرة.

ضحكتُ هذه المرة.

كنتُ أظن
أن الحياة الجديدة تبدأ في الصباح،
ولم أكن أعرف
أن الإنسان يبدأ من جديد
مراتٍ كثيرة؛
بعد حب،
وبعد خسارة،
وبعد خيبة،
وبعد موت أحدهم،
وبعد أن يستيقظ ذات يوم
فلا يتعرّف إلى نفسه القديمة.

أحضرتُ قلمًا.

ترددتُ قليلًا،
ثم كتبتُ تحت ذلك السطر:

«لقد وصلت…
لكن الطريق لم يكن كما تخيّلت.»

أغلقتُ الدفتر،
وأعدته إلى مكانه.

لكنني هذه المرة
لم أشعر أنني أعدتُ شيئًا إلى الدرج.

شعرتُ أنني تركتُ هناك
يدًا تصافح يدي القديمة،
وسلامًا متأخرًا
لأناسٍ رحلوا،
وكلمةً أخيرة
لأشياء لم تنتهِ كما تمنّيت.

وأدركتُ أخيرًا
أن الدفاتر القديمة
لا تحفظ ما كتبناه…

إِنَّها تَحفَظُ
مَن كُنّا
حينَ كَتَبناه.