كيف تحمي عائلتك من الجرائم الإلكترونية؟
لم يعد اللص بحاجة إلى اقتحام منزلك أو كسر بابك؛ فقد يدخل إلى حياتك عبر رسالة واتساب، أو رابط يبدو صادرًا من جهة حكومية، أو مكالمة هاتفية يخبرك فيها المتصل بأن حسابك البنكي في خطر. وفي لحظة واحدة، قد تتحول الثقة إلى خسارة مالية، أو تُسرق بيانات شخصية، أو يقع أحد أفراد الأسرة ضحية ابتزاز إلكتروني.
في المملكة، حيث أصبحت الخدمات الرقمية جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، من التعليم والعمل إلى التسوق والخدمات المصرفية والحكومية، لم يعد الأمن السيبراني مسؤولية المؤسسات والمتخصصين وحدهم، بل أصبح مهارة أسرية لا تقل أهمية عن تعليم الأبناء قواعد السلامة في الطريق.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل أسرة اليوم ليس: هل يمكن أن نتعرض للاحتيال الإلكتروني؟ بل: هل نعرف كيف نتصرف عندما تصل إلينا المحاولة الأولى؟
لم تعد الرسائل الاحتيالية مليئة بالأخطاء اللغوية والوعود غير المنطقية كما كانت في السابق. فبمساعدة الذكاء الاصطناعي، يستطيع المحتال صياغة رسالة رسمية مقنعة، وتقليد أسلوب الحديث، بل وتزييف الأصوات لإيهام الضحية بأنه يتحدث مع شخص يعرفه.
تخيّل موظفًا يتلقى رسالة تبدو صادرة من مديره تطلب تحويل مبلغ عاجل، أو ولي أمر تصله رسالة تطلب تحديث بيانات ابنه عبر رابط يحمل اسم منصة تعليمية مألوفة. وقد يتلقى أحد أفراد الأسرة اتصالًا بصوت قريب له يطلب مساعدة مالية عاجلة.
هذه المواقف تكشف حقيقة مهمة: المحتال لا يستهدف أجهزتنا فقط، بل يستهدف مشاعرنا وثقتنا وخوفنا من فقدان المال أو تفويت فرصة مهمة.
وقد حذّر البنك المركزي السعودي من أساليب الهندسة الاجتماعية التي تعتمد على انتحال صفة جهات موثوقة للحصول على البيانات المصرفية ورموز التحقق.
تبدأ الحماية من قاعدة بسيطة ينبغي أن يعرفها كل فرد في المنزل: «لا تمنح ثقتك لرسالة لمجرد أنها تحمل اسم جهة تعرفها».
فالأبناء الذين يستخدمون المنصات التعليمية والألعاب الإلكترونية قد يتعرضون لروابط وهمية تعدهم بجوائز أو اشتراكات مجانية. وفي المقابل، قد يستهدف المحتالون كبار السن برسائل تتعلق بالخدمات الحكومية أو تحديث البيانات البنكية.
وهنا لا يكفي منع الأبناء من استخدام الإنترنت، بل ينبغي تعليمهم كيفية التحقق من الروابط، وعدم مشاركة كلمات المرور أو الصور الشخصية مع الغرباء، وإبلاغ الوالدين فور تعرضهم لتهديد أو ابتزاز، دون خوف من العقاب.
أما على مستوى الأسرة، فإن تخصيص دقائق أسبوعية للحديث عن أحدث محاولات الاحتيال قد يكون أكثر فاعلية من عشرات التحذيرات التي لا تتحول إلى سلوك يومي.
لا تتطلب الحماية الإلكترونية أن يكون الإنسان متخصصًا في التقنية، بل أن يلتزم بعادات بسيطة: استخدام كلمات مرور قوية ومختلفة للحسابات، وتفعيل التحقق بخطوتين، وتحديث الأجهزة والتطبيقات باستمرار، وعدم فتح الروابط المشبوهة، والتأكد من هوية المتصل عبر القنوات الرسمية.
والأهم ألا يشارك أي فرد رمز التحقق الذي يصله على هاتفه، مهما كانت صفة الشخص الذي يطلبه. فالبنك المركزي السعودي يؤكد ضرورة المحافظة على سرية البيانات البنكية والأرقام السرية ورموز التحقق.
وفي بيئة العمل، ينبغي أن تصبح مراجعة طلبات التحويل المالي وتغيير بيانات الموردين إجراءً ثابتًا، حتى لو بدا الطلب صادرًا من مسؤول معروف. فالاستعجال والسرية المبالغ فيهما قد يكونان جزءًا من محاولة احتيال.
الوقوع في فخ إلكتروني لا يعني نهاية الأمر، لكن التأخر في التصرف قد يزيد الخسائر. فإذا تعرّض أحد أفراد الأسرة للاحتيال المالي، فعليه التواصل فورًا مع البنك عبر قنواته الرسمية لإيقاف البطاقات أو تأمين الحساب، وتغيير كلمات المرور المتأثرة، والاحتفاظ بالرسائل وأدلة الواقعة.
وتتيح وزارة الداخلية الإبلاغ عن الجرائم المعلوماتية، بما فيها الابتزاز والاختراق وانتحال الهوية والاحتيال المالي عبر الإنترنت، من خلال خدمة البلاغات المخصصة لذلك.
والأهم أن تتعامل الأسرة مع الضحية بالدعم لا باللوم، خصوصًا عندما يكون الضحية طفلًا أو مراهقًا تعرض للابتزاز؛ لأن الخوف من رد فعل الأسرة قد يدفعه إلى إخفاء المشكلة، ويمنح المبتز فرصة لمواصلة تهديده.
نجحت المملكة في جعل التقنية جزءًا أساسيًا من حياة المواطن والمقيم، لكن الاستفادة الكاملة من هذا التحول تتطلب وعيًا يواكب سرعة تطوره. فحماية الحسابات والأموال والخصوصية لم تعد مسؤولية فرد واحد، وإنما مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة وجهة العمل والمؤسسات المعنية.
وإذا كنا نعلّم أبناءنا إغلاق أبواب المنزل وعدم مرافقة الغرباء، فقد حان الوقت لنعلمهم أن العالم الرقمي يحتاج إلى الحذر نفسه.
فالمواطن الذكي ليس من يستخدم أحدث التطبيقات، بل من يعرف متى يثق، ومتى يتحقق، ومتى يقول: لن أضغط على هذا الرابط.












