آخر تحديث: 4 / 10 / 2026م - 11:55 م

حين يكون الصفح جميلًا

هاشم الصاخن *


جعل الله سبحانه وتعالى العفو والتسامح من الأخلاق الرفيعة التي تسمو بالإنسان وتخفف من آثار الخلافات والمشكلات بين الناس. فالإنسان بطبيعته قد يتعرض للإساءة أو الخطأ من قريب أو صديق أو شخص تربطه به علاقة ما، وقد يكون صاحب حق واضح في موقفٍ ما، ومع ذلك يبقى أمامه خيار مهم: كيف يتعامل مع من أخطأ في حقه؟ وهل يكون الرد بالمثل، أم يختار طريق العفو والصفح حين يرى أن في ذلك إصلاحًا وراحة للنفس وإنهاءً للخلاف؟

لكن ماذا لو جاء المخطئ بنفسه يطلب العفو والتسامح؟ كيف تكون الطريقة الصحيحة في التعامل معه؟ وهل يكفي أن نقول له سامحتك، أم أن للعفو أسلوبًا يحفظ كرامة الطرفين ويجعل الصفح جميلًا فعلًا؟

العفو الحقيقي لا يعني أن يتنازل الإنسان عن كرامته، ولا أن يتجاهل الخطأ وكأنه لم يقع، وإنما أن يملك القدرة على الرد ثم يختار أن يوقف دائرة الإساءة عند حدّ معين. فالإنسان قد يكون صاحب حق، وقد يكون قادرًا على أن يرد بالمثل أو أشد، لكن قيمة العفو تظهر حين يضبط نفسه، ويفصل بين حفظ حقه وبين التشفي ممن أخطأ في حقه.

والإنسان المتسامح لا يُعرف فقط بكلمة يقولها عند انتهاء الخلاف، وإنما يظهر تسامحه في طريقته مع من أخطأ في حقه. فهو أهدأ عند الغضب، وأبعد عن التشفي، وأحرص على ألا يحوّل الاعتذار إلى فرصة لاستغلال الموقف أو الإهانة. ومن صفاته أيضًا اتساع أفقه؛ فيفهم ظروف المشكلة وأسبابها، ويفرق بين الخطأ العابر والسلوك المتكرر، وبين من راجع نفسه ومن يصر على خطئه. كما يدرك أن قبول الاعتذار لا ينقص من مكانته، بل قد يزيده قدرًا؛ لأنه حفظ كرامته وكرامة من جاءه معتذرًا.

ومجيء المخطئ للاعتذار في الغالب يدل على شجاعةٍ واعترافٍ بالخطأ؛ فليس من السهل على الإنسان أن يعود عمّن صدر منه، ويقرّ بتقصيره، ويطلب الصفح. ولذلك فإن من الجميل أن يُقابل هذا الاعتذار بما يحفظ كرامته ويشجعه على عدم تكرار الخطأ، لا بما يجعله يندم على أنه جاء معتذرًا.

حين يأتي المخطئ معتذرًا ويطلب العفو، فهنا يظهر معدن المتسامح الحقيقي. فليس من الجميل أن يتحول الاعتذار إلى لحظة استعراض للقوة، أو أن يُترك المعتذر واقفًا في موقف ضعف طويل حتى يشعر بالذل والهوان. نعم، من حق صاحب الحق أن يوضح ما آلمه، وأن يلفت الطرف الآخر إلى أثر ما فعله، وأن يطلب منه ألّا يكرر الخطأ، لكن الفرق كبير بين عتابٍ يحفظ الكرامة ويمنع تكرار الخطأ، وبين عتابٍ يتحول إلى إذلال وتجريح.

لا تعاتب وأنت ستصفح؛ لأن العتاب إذا تجاوز حدَّه فقد يفسد جمال العفو نفسه. فإذا كان الإنسان قد حسم أمره بأنه سيعفو، فلا معنى لأن يجعل الطرف الآخر يمر أولًا بسلسلة من التوبيخ واللوم القاسي، أو أن يذكّره بالخطأ مرة بعد مرة، أو أن يضعه في موقف يشعر فيه بأنه فقد كرامته تمامًا. فالعفو لا يحتاج إلى إذلال يسبقه، ولا إلى أن يشعر صاحب الحق بأنه انتصر على الآخر قبل أن يسامحه.

فإذا كنت تنوي العفو والتسامح، فلا تصل بالمعتذر إلى هذه المرحلة؛ لأن المبالغة في العتاب أو الإهانة قد تأتي بنتيجة عكسية. فقد يتراجع المخطئ عن اعتذاره، أو يشعر أن ما قدّمه من ندم لم يُقابل بما يستحق، فتشتد الأمور من جديد وتصبح أسوأ مما كانت عليه. وعندها قد يخسر الطرفان فرصة إنهاء الخلاف بهدوء، ويخسر صاحب الحق أيضًا ما كان يمكن أن يناله من ثواب العفو والتسامح.

والأجمل أن يكون صاحب الحق قادرًا على أن يجمع بين أمرين: أن يحفظ حقه ومكانته، وفي الوقت نفسه يحفظ كرامة من جاءه معتذرًا. وهذا لا ينقص منه شيئًا، بل يجعله صاحب موقف وفضل حقيقي؛ لأنه لم يستغل لحظة ضعف الطرف الآخر، ولم يحوّل حاجته إلى العفو إلى وسيلة للضغط عليه.

ولسنا أكرم من الله سبحانه وتعالى في العفو والتسامح؛ فالإنسان يخطئ ويقصّر ثم يعود إلى ربه، فيجد باب التوبة والمغفرة مفتوحًا ما دام صادقًا في رجوعه. ولو أُغلق باب العفو عن الناس بسبب أخطائهم، لهلك كثير من البشر في دنياهم قبل آخرتهم. ومن هنا يكون الصفح الحقيقي أقرب إلى الرحمة، وأبعد عن التشفي، خصوصًا حين يأتي المخطئ بنفسه معتذرًا طالبًا إنهاء الخلاف. وقد قال الله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: 85].

وفي النهاية، إذا كنت صاحب الحق وجاءك من أخطأ معتذرًا، فلا تجعل من موقفك قوةً تتجبّر بها عليه، ولا تحوّل اعتذاره إلى فرصة لإذلاله أو كسر نفسه. فقد تكون مكانتك في نفسه وفي ميزان الأخلاق أرفع بكثير حين تقبل اعتذاره من غير إذلال ولا عتاب قاسٍ ولا استعراضٍ للحق. فليس كل حق يجب أن يُستوفى بالكلام، وأحيانًا يكون أجمل انتصار للإنسان أن يملك القدرة على العتاب ثم يختار الصفح.

وقد روي عن الإمام الصادق ، عن آبائه، عن النبي ﷺ: «ينادي منادٍ يوم القيامة من بطنان العرش: ألا فليقم من كان أجره على الله تعالى، فلا يقوم إلا من عفا عن أخيه» [بحار الأنوار، ج 68، ص 403.].

فإذا كان أجر العفو عند الله، فلا تُنقص جماله بقسوةٍ تسبقه، ولا تجعل المعتذر يدفع ثمن الصفح قبل أن يناله.

سيهات