آخر تحديث: 4 / 10 / 2026م - 11:55 م

الادخار والاستثمار «1»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

للادخار أهمية مزدوجة: فهو درع الأسرة ضد تقلب الدخل، وهو في الوقت نفسه المصدر الرئيس لتمويل الاستثمار حين لا تكفي حصيلة الضرائب لتغطية الإنفاق الرأسمالي. وبالمقارنة مع مجموعة العشرين، لا تُعد السعودية من الدول منخفضة الادخار؛ إذ بلغ إجمالي ادخارها 31.9% من الناتج في 2023، مقابل متوسط المجموعة البالغ 25.7% في العام نفسه وفق بيانات البنك الدولي، فحلّت في المرتبة الخامسة بين أعضاء المجموعة. ثم تراجع المعدل إلى نحو 30.4% في 2024 و 28.9% في 2025، وهو دون متوسط السعودية التاريخي «نحو 34% منذ 1971». غير أن حصة الأسر من صافي الادخار لم تتجاوز 22.9% في 2024 بحسب الهيئة العامة للإحصاء، وهذا ما يُبقي الحاجة إلى الادخار الأسري قائمة.

وفي هذا السياق، فمن أشهر المقولات في الادخار، والتي تخالف تماماً مقولة «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»، وتتفوق على المقولة الشائعة «على قدر لحافك مدّ رجليك»، مقولة المستثمر وارن بافيت: «لا تدّخر ما يتبقى بعد الإنفاق، بل أنفق ما يتبقى بعد الادخار»، أو بعبارة أوجز: «ادّخر ثم استهلك».

عملياً، تتفاوت وجهات النظر في الادخار الأسري، ومن ثم في السلوك الادخاري، ولعل المقولات الثلاث تختزل ثلاث مدارس يتبعها الناس بوعي أو بغير وعي. والتحيّز هنا، بلا مواربة، إلى المقولة الثالثة؛ إذ يمكن ادخار أقل القليل، أما إذا لم يكفِ الدخل للادخار والاستهلاك معاً فإن الاستقلال المالي للأسرة يصبح مهدَّداً، ولا بد من مواجهة هذا التهديد بتصرف إيجابي لا بتأجيله.

وإجمالاً، تعتمد الاقتصادات على مدخرات الأسر في تمويل الاستثمارات الرأسمالية، لأن حصيلة الخزينة من الضرائب والرسوم تُوجَّه في الغالب إلى تغطية الإنفاق التشغيلي للحكومة. ولهذا يكون للادخار في تلك الاقتصادات أهمية حرجة: فإن انخفض تأثرت سعة الاقتصاد وبنيته التحتية، والعكس صحيح. ويختلف الأمر في الاقتصادات التي تعتمد ماليتها العامة على متحصلات بيع الموارد الطبيعية. ففي المملكة تبقى الحاجة إلى الادخار الأسري قائمة، لكنها عادة أخف، لأن جزءاً من الإنفاق الاستثماري يُموَّل من أموال الخزانة العامة، ومعظمها من الإيرادات النفطية.

غير أن حصة الحكومة من الإنفاق الرأسمالي «إجمالي تكوين رأس المال الثابت» أخذت تتناقص تدريجياً لصالح الإنفاق غير الحكومي. وبحسب النشرة الشهرية لوزارة الاستثمار، بلغ إجمالي تكوين رأس المال الثابت في الربع الأول من عام 2026 نحو 358.2 مليار ريال، بارتفاع 5.1% على أساس سنوي. وساهم القطاع غير الحكومي بـ 319.9 مليار ريال «نحو 89%» بنمو 1.3%، مقابل 38.3 مليار للقطاع الحكومي بنمو 54%. واستمر هذا الزخم في النصف الأول من العام، إذ ارتفع إجمالي تكوين رأس المال الثابت 5.2% على أساس سنوي، ونما في الربع الثاني 5.3%، مع نمو تكوين رأس المال الثابت للقطاع الخاص غير الحكومي غير النفطي 6.1% في الربع نفسه. وهذا التحول يعزز أهمية الادخار الأسري والاستثمار الخاص في تمويل التكوين الرأسمالي، حتى في اقتصاد يعتمد جزء من إنفاقه الاستثماري على الإيرادات النفطية.

يتبع.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
شاكر الديرم
[ الاحساء ]: 4 / 10 / 2026م - 1:39 م
الادخار مبدأ اقتصادي حضاري فلو ان المواطن كلف نفسه بحجز مبلغ من راتبه الشهري او من ايراداته الشهريه فحتما سيكون وعاء الادخار لديه بابا لسد حاجاته المستقبليه
المشكله واقعا ليست في المواطن المشكله الاكبر تكون في الجهه التى تستقبل هذا الادخار وتقوم بتنميته واستثماره
وهنا اقصد البنوك فلو كانت لديها برامج تثقيفيه وتشجيعيه لتوجه اغلب المواطنين فيها
علما اننا نجد الميل الحدي للاستهلاك يتفوق على الميل الحدي للادخار
كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى