آخر تحديث: 5 / 10 / 2026م - 11:22 م

حين ينطق اللسان

محمد الدعيلج


ليس في الإنسان شيءٌ أصغر من لسانه، ولا شيءٌ قد يكون أشدَّ خطرًا منه.

فطعة لحم صغيرة، لكنها قد تحمل صاحبها إلى أعلى مراتب النبل، أو تهوي به إلى قاع الندم. كلمةٌ واحدة قد تُحيي قلبًا، وكلمةٌ أخرى قد تقتل فرحًا، وتكسر خاطرًا، وتهدم علاقةً عاشت سنينا.

الكلمة، تكون أسيرةَ صاحبها قبل أن تخرج؛ فإذا خرجت من فمه أصبحت أسيرةَ أثرها، لا يملك إعادتها، ولا يستطيع أن يمحو ما تركته في نفسٍ تلقّتها.

ومن هنا تهتز النفس أمام قول الله تعالى:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ .

ما أعظمها من آية، وما أشد وقعها على النفس حين تتأملها بعيدًا عن عابر التلاوة، وتسمح لمعناها أن يستقر في القلب!

كلمات قليلة، لكنها تضع اللسان أمام مسؤوليته، وتخبر الإنسان أن ما يخرج من فمه ليس هواءً يتبدد في الفضاء، ولا صوتًا ينتهي بانتهاء الحديث؛ بل هو قولٌ محسوب، ولفظٌ مكتوب، وشهادةٌ ستبقى شاهدةً له أو عليه.

كم من كلمةٍ رفعت إنسانًا في أعين الناس، وكم من كلمةٍ أسقطته من مكانةٍ لم يكن يظن أنه سيفقدها!

وكم من لفظةٍ كانت بلسمًا لقلبٍ موجوع، وأخرى كانت سهمًا استقر في قلبٍ لم يجد بعد ذلك سبيلًا إلى نسيانها.

فاللسان رغم صغر حجمه إلا أنه عظيمٌ في أثره؛ به تُصلح ذات البين، وتُطفأ نار الفتنة، ويُجبر الخاطر، وتُزرع المحبة… وبه أيضًا قد تُهدم جسورٌ بُنيت في أعوام، وتُفسد مودةٌ عاشت سنين، وتُوقظ خصومةً كان الصمت قد دفنها.

ولعل أجمل ما في الصمت أنه يمنحنا فرصةً لنراجع الكلمة قبل أن تولد، أما إذا خرجت الكلمة، فقد خرجت من سلطاننا، وأصبحت تملك طريقها إلى قلوب الآخرين.

إن حفظ اللسان ليس أن نصمت دائمًا، وإنما أن نعرف متى نتكلم، وماذا نقول، وكيف نقول.

فالكلمة الطيبة عبادة، والكلمة الجارحة أذى، والكلمة الصادقة نجاة، والكلمة الحكيمة قد تغيّر حياة إنسان.

ولذلك، ما أحوجنا إلى أن نجعل بين الفكرة والكلمة لحظةً من خشية الله؛ لحظةً نتذكر فيها أن هناك رقيبًا عتيدًا لا يغفل عن حرف، ولا يضيع قولًا.

فإذا أردت أن تعرف قدر إنسان، فاستمع إلى لسانه حين يغضب، وكلماته حين يختلف، وحديثه حين يأمن من الحساب.

فالكلمات تكشف أصحابها أكثر مما تكشف معانيها.

جميل أن تخرج الفاظنا خفيفةً على الأسماع، عميقةً في القلوب، طيبةً في الأثر؛ حتى إذا كُتبت صحائفنا، وجدنا فيها كلماتٍ تمنّينا لو أن أعمارنا كلها كانت مثلها.

وجميل أن ندرك ان ما كل ما يُقال يُستدرك، وما كل جرحٍ تداويه الأيام، والأجمل أن تترك السنتنا بعدنا أثرًا من خير