آخر تحديث: 5 / 10 / 2026م - 11:22 م

ما قيمة تأمينك الروحي؟

مصطفى صالح الزير


كان المساء ينساب بهدوء في المزرعة. وسعف النخيل يتحرك مع النسيم، والزهور تتمايل، ورائحة الرياحين تملأ المكان. وبينما كنا نمشي أنا وصديقي، لفت انتباهي رجل يعتني بإحدى الأشجار؛ يسقيها، وينظف ما حولها، ويتفقد أغصانها بعناية.

قلت لصديقي محمد:

— انظر إلى هذا الرجل لا ينتظر حتى تذبل الشجرة ليعتني بها.

تأمل المشهد وقال:

— كأنه يعرف أن العناية المبكرة تختصر كثيرًا من المتاعب.

ابتسمت وقلت:

— وهذا بالضبط ما جعلني أفكر في أرواحنا.

التفت إليّ:

وقال كيف؟

قلت:

نحن نؤمّن سياراتنا، ونؤمّن على صحتنا من خلال التأمين الطبي ونعتني بها، ونحفظ أموالنا، ونفكر في مستقبل أبنائنا لأننا نعرف أن الإنسان لا ينتظر وقوع الخطر حتى يستعد له.

لكن يبقى سؤال أهم: ما قيمة تأمينك الروحي؟

سكت محمد قليلًا، ثم قال:

— وماذا يعني أن أؤمّن روحي؟

قلت:

أن تبني في داخلك ما يحميك عندما لا تسير الحياة كما تريد. أن يكون في قلبك ما يسندك عندما تغضب، ويثبتك عندما تبتلى، ويعيدك إلى الله عندما تتعب، ويحفظ أخلاقك عندما تستفز، ويمنحك وضوحًا عندما تزدحم عليك الأصوات.

ثم أشرت إلى الشجرة:

انظر إلى جذورها لا أحد يراها، لكنها هي التي تحمل الشجرة عندما تهب الرياح.

قال:

إذن التأمين الروحي يبدأ من الأشياء التي لا يراها الناس؟

قلت:

نعم، يبدأ من الداخل. ولهذا ربما يكون السؤال الأهم: ماذا يدخل إلى روحك كل يوم؟

فكما ننتبه إلى ما نأكله، علينا أن ننتبه إلى ما نسمعه ونقرأه ونشاهده، وإلى الكلمات التي نكررها، والأفكار التي نسمح لها أن تستقر فينا، والأشخاص الذين نفتح لهم أبواب أرواحنا.

وتذكرت قول الإمام الحسن المجتبى :

«عَجِبْتُ لِمَنْ يَتَفَكَّرُ فِي مَأْكُولِهِ كَيْفَ لا يَتَفَكَّرُ فِي مَعْقُولِهِ، فَيُجَنِّبُ بَطْنَهُ مَا يُؤْذِيهِ، وَيُودِعُ صَدْرَهُ مَا يُرْدِيهِ».

قلت:

نحن نقرأ مكونات الطعام قبل أن نأكله، لكن هل نتفكر بالقدر نفسه فيما ندخله إلى أرواحنا؟

ابتسم محمد وقال:

— وكأنك تقول إن للروح أيضًا غذاءً يحتاج إلى اختيار.

وأكثر من ذلك ياصديقي؛ لها أبواب تحتاج إلى حراسة. ليس كل ما يصل إلينا يستحق أن يستقر في قلوبنا. وما تكرره اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من شخصيتك.

ثم قلت:

ولهذا فإن من أهم صور التأمين الروحي أن تجعل لك صلة يومية بالقرآن الكريم. فالقرآن ليس كتابًا نعود إليه فقط عندما تضيق بنا الحياة، بل غذاءٌ للروح نحتاج إليه في أيام الهدوء كما نحتاج إليه في أيام العاصفة.

قال محمد:

لكن البعض يقول: لا أجد وقتًا طويلًا للقراءة.

ابتسمت وقلت:

اليوم الأمر أسهل مما كان. تستطيع أن تفتح هاتفك في أي وقت، وتقرأ صفحة واحدة، أو حتى بضع آيات. ليست القضية دائمًا في كثرة الصفحات، وإنما في استمرار الصلة، وأن تكون تلك القراءة بتدبر وتفكر وخشوع.

ثم تابعت الحديث:

صفحة واحدة كل يوم قد تبدو قليلة، لكنها مع الأيام تصبح علاقة، والعلاقة إذا استمرت صنعت أثرًا وشوقًا وحبًا عظيمًا حتى تستعذب قراءة القرآن والاستماع إليه. نحن لا نسقي الشجرة مرة واحدة ثم نطلب منها أن تبقى خضراء؛ نسقيها باستمرار، ولو بالقليل.

قال:

إذن حتى الصفحة اليسيرة تدخل في بناء الجذور؟

قلت: نعم. اقرأ القرآن كل يوم، ولو شيئًا يسيرًا، وحاول أن تقرأه بقلب حاضر، وأن تسأل نفسك: ماذا يريد الله مني في هذه الآية؟ كيف يمكن أن تتحول من كلمات أقرأها إلى خلق أعيشه؟

ثم انتقل الحديث إلى علاقتنا بالدنيا.

قال محمد:

لكننا نعيش في الدنيا، نعمل ونملك ونحب ونخطط. كيف نوازن بين ذلك وبين التأمين الروحي؟

قلت:

بأن نملك الدنيا دون أن تملكنا. أن تملك المال ولا يملكك المال، وأن تحب دون تعلق يكسرك، وأن تأخذ بالأسباب دون أن تنسى رب الأسباب.

وتذكرت قول أمير المؤمنين في وصيته للإمام الحسن :

«وَأَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ، فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ، وَمَانِعٍ عَزِيزٍ».

قلت:

هنا يظهر الفرق. التأمينات الدنيوية تحاول أن تحميك من بعض ما قد يحدث حولك، أما اللجوء إلى الله فيبني فيك شيئًا يحميك حتى أمام ما لا تستطيع منعه، ويتكون في داخلك قوة عجيبة، ومناعة روحية عالية، تساعدك على مواجهة صدمات الدنيا وابتلاءاتها، سواء ما كان منها ماديًا أو معنويًا، دون أن تهتز طمأنينتك أو تفقد ثباتك.

سألني محمد:

وهل يكفي أن نعرف ذلك؟

قلت:

المعرفة وحدها لا تكفي. الإيمان علاقة تُمارس، لا ورقة تُحفظ على سطح المكتب.

ثم شرحت له أن التأمين الروحي يحتاج إلى عناية يومية، مثل هذه الشجرة تمامًا: قرآن وذكر في الصباح، نية صادقة، مراقبة للكلمة والنظرة والغضب أثناء اليوم، استغفار بشكل مستمر، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، ثم وقفة هادئة مع النفس ومحاسبتها قبل النوم.

قلت:

لا ننتظر حتى تأتي العاصفة ثم نسأل: لماذا لم تكن جذورنا قوية؟

فحتى الجسد له أثره في صفاء الإنسان، ولذلك جاءت العناية به ضمن منظومة متكاملة، ومن ذلك ما ورد عن الإمام الصادق في رواية عنوان البصري؛

نص كلامه :

”أما اللواتي في الرياضة: فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه، فإنه يورث الحماقة والبله، ولا تأكل إلا عند الجوع، وإذا أكلت فكل حلالًا وسمّ الله، واذكر حديث الرسول ﷺ: ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطنه، فإن كان ولا بدّ فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنَفَسه“.

ثم قلت لمحمد:

والتأمين الروحي لا يعني أنك لن تحزن، أو تغضب، أو تمر عليك أيام صعبة؛ فالإنسان إنسان، والمشاعر جزء من طبيعته. لكنه يعني ألا تستولي عليك هذه المشاعر أو تقودك، فلا يتحول الغضب إلى ظلم، ولا يتحول الألم إلى سوء ظن بالله، ولا تتحول الخيبة إلى فقدان للأمل.

قال:

وما الذي يعيد القلب إلى توازنه؟

قلت:

أن يبقى له باب مفتوح مع الله عز وجل، وأن يجد في كتابه الكريم ما يوقظ قلبه، ويجدد يقينه، ويرده إلى الطريق كلما ابتعد أو أثقلته الحياة.

قال تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

وهنا فهمت أن قيمة التأمين الروحي لا تظهر فقط في الأزمات الكبيرة، بل في المواقف الصغيرة التي تتكرر كل يوم.

حين يستفزك أحد ماذا تفعل؟

حين ترى نعمة عند غيرك ماذا يحدث في قلبك؟

حين تستطيع أن تقول كلمة تؤذي بها شخصًا هل تقولها؟

حين تعرض عليك مصلحة لا ترضي الله هل تستطيع أن تقول: لا؟

هنا تحديدًا يظهر ما بنيناه في الداخل.

التأمين الروحي يظهر في الاختيارات.

قد تستطيع أن تغضب، لكنك تختار الحلم.

وقد تستطيع أن ترد الإساءة، لكنك تختار أن تحفظ لسانك؛ وترد بالتي هي أحسن.

وقد تستطيع أن تتبع رغبتك، لكنك تختار ما يرضي الله سبحانه.

ولهذا لا تقِس تأمينك الروحي بما تفعله عندما تنهار فقط، بل بما بنيته في نفسك قبل أن تنهار.

تأملت الشجرة مرة أخرى، وقلت لمحمد:

هذا الرجل لا يعمل من أجل اللحظة التي نراه فيها. هو يعتني بها في الأيام التي لا يراه فيها أحد. وعندما تأتي الرياح، لن تبدأ الشجرة ببناء جذورها ستكون الجذور موجودة أصلًا.

ابتسم محمد وقال:

وكأن السؤال الحقيقي ليس: ماذا سأفعل عندما تأتي العاصفة؟ بل: ماذا أفعل الآن؟

قلت:

بالضبط.

فالهدف ليس أن تخرج من كل ابتلاء دون ألم، وإنما أن تخرج منه دون أن تفقد قلبك؛ تكون أقرب إلى الله، وأعمق وعيًا، وأشد ثباتًا.

وهنا عدنا بنظرنا إلى الأشجار.

ما يحفظ الشجرة وقت العاصفة لا يُبنى أثناء العاصفة؛ إنه يُبنى قبلها، في هدوء، تحت الأرض، بعيدًا عن أعين الناس.

وهكذا الروح.

لا تنتظر حتى تتعب لتبدأ.

لا تنتظر الغضب لتتعلم الهدوء.

لا تنتظر الابتلاء لتبحث عن اليقين.

ولا تنتظر أن تضيق بك الدنيا حتى تبحث عن الله.

اقرأ اليوم، ولو صفحة. اذكر الله اليوم، ولو بدقائق. راقب قلبك اليوم، ولو في موقف واحد. واعتنِ بجذور روحك اليوم كي تطيب لك الثمار غدًا.

أمّن سيارتك، واعتنِ بصحتك، واحفظ أموالك، وخذ بأسباب الدنيا لكن لا تنسَ التأمين الأهم والأبقى:

أن تؤمّن روحك بالله سبحانه، وتجعل بينها وبين القرآن صلة لا تنقطع، وأيضًا بالصلاة والذكر والدعاء والصدقة وسائر الأعمال الصالحة؛ فهذه هي الجذور التي تمنح الروح ثباتها، وتعينها على مواجهة صدمات الدنيا وابتلاءاتها.

وانتبه أيها القارئ المبارك، فكما تتغذى روح الإنسان بما يقرأ ويسمع ويشاهد، فإنها تتغذى أيضًا بما يقول ويفعل. كل كلمة طيبة، وكل عمل صالح، يترك في الروح نورًا وأثرًا جميلًا، ومع الأيام تتشكل من هذه التفاصيل الصغيرة شخصية أكثر صفاءً وثباتًا. والحمد لله رب العالمين.