كريستيانو… ما هكذا تُعامل الأساطير

هناك لاعبون يرتدون قميص المنتخب.
وهناك لاعبون يصبح القميص جزءًا من سيرتهم، ويصبح اسم المنتخب جزءًا من أسمائهم.
وكريستيانو رونالدو، بعد أكثر من عقدين بقميص البرتغال، لم يعد مجرد لاعب مرَّ من هنا، ولا مجرد هداف يمكن أن تأتي الأجيال لتقارن أرقامها بأرقامه.
لقد أصبح فصلًا كاملًا من تاريخ المنتخب البرتغالي.
ولهذا، عندما نتحدث اليوم عن الطريقة التي ينبغي أن يُعامل بها رونالدو في السنوات الأخيرة من مسيرته الدولية، فربما لا يكون السؤال الصحيح:
هل يجب أن يُعامل مثل بقية اللاعبين؟
بل:
هل من العدل أن يُعامل التاريخ كما يُعامل الحاضر؟
ليس المقصود هنا أن يكون كريستيانو أكبر من البرتغال.
فالمنتخب سيبقى بعد رونالدو، كما بقيت كرة القدم بعد كل أساطيرها.
ولا يعني احترام تاريخه أن يختار متى يلعب، أو أن يحدد التشكيلة، أو أن تصبح قرارات المدرب خاضعة لاسمه.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين أن يكون الجميع متساوين أمام القرار الفني، وبين أن نتعامل مع الجميع وكأن تاريخهم واحد.
لأن تاريخ رونالدو مع البرتغال ليس عاديًا.
بدأ الرحلة مع المنتخب الأول في 20 أغسطس 2003، وكان في الثامنة عشرة من عمره.
وبعد أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، أصبح صاحب الرقم القياسي العالمي في عدد المشاركات الدولية في كرة القدم للرجال، وصاحب الرقم القياسي العالمي في الأهداف الدولية؛ إذ بلغ رصيده 234 مباراة و 146 هدفًا مع البرتغال حتى أواخر سبتمبر 2026.
لكن الأرقام، على ضخامتها، لا تقول كل شيء.
فبين المباراة الأولى والمباراة رقم 234، توجد قصة بلد كامل مع لاعب واحد.
كان هناك فتى في التاسعة عشرة يبكي بعد خسارة نهائي أوروبا على أرض البرتغال عام 2004.
ثم عاد بعد اثني عشر عامًا، قائدًا لمنتخب بلاده، ليعيش المشهد نفسه بصورة مختلفة تمامًا.
في باريس عام 2016، غادر رونالدو النهائي أمام فرنسا مصابًا، لكنه بقي حاضرًا مع زملائه حتى انتهت الليلة التي بدأت بالألم برفع البرتغال أول بطولة كبرى في تاريخ منتخبها.
ولم تكن تلك نهاية الحكاية.
بعد ثلاثة أعوام، كان قائدًا للبرتغال وهي تتوج بالنسخة الأولى من دوري الأمم الأوروبية عام 2019، بعدما سجل ثلاثية في نصف النهائي أمام سويسرا.
ثم مرّت السنوات، ووصل رونالدو إلى الأربعين، وكان من السهل أن تصبح تلك البطولات مجرد ذكريات جميلة لرجل عاش زمنه وانتهى.
لكنه عاد في 2025.
سجل هدف الفوز أمام ألمانيا في نصف نهائي دوري الأمم، ثم سجل هدف التعادل أمام إسبانيا في النهائي، قبل أن تتوج البرتغال باللقب للمرة الثانية وتصبح أول منتخب يحقق البطولة مرتين.
وكأن الرجل، بعد كل تلك السنوات، كان لا يزال يضيف سطرًا جديدًا كلما ظن الناس أن الصفحة اكتملت.
هذه ربما هي الحكاية الحقيقية لرونالدو مع البرتغال.
لم تكن فقط حكاية أهداف.
كانت حكاية بقاء.
أن تخسر، ثم تعود.
أن تتقدم في العمر، ثم تعود.
أن يقال إن زمنك اقترب من نهايته، ثم تجد سببًا آخر لتعود.
ومع مرور السنوات، لم يعد رونالدو يطارد أرقام البرتغال وحدها.
بدأ يطارد أرقام كرة القدم نفسها.
أصبح الهداف التاريخي لكرة القدم الدولية للرجال، وأكثر لاعبيها مشاركة دولية، وصاحب الرقم القياسي في أهداف نهائيات كأس أوروبا بـ 14 هدفًا، والأكثر مشاركة في نهائيات البطولة بـ 30 مباراة.
وفي كأس العالم 2026، أضاف رقمًا آخر إلى تلك الرحلة، عندما أصبح أول لاعب في تاريخ كرة القدم للرجال يسجل في ست نسخ مختلفة من كأس العالم.
وهنا يصبح السؤال أكبر من الأرقام.
ماذا تفعل دولة عندما يتحول أحد لاعبيها إلى جزء من ذاكرتها الرياضية؟
وكيف تتعامل مؤسسة كروية مع لاعب لم يعد اسمه موجودًا في سجل المنتخب فقط، بل أصبح جزءًا من الصورة التي عُرفت بها كرة القدم البرتغالية أمام العالم؟
الإجابة بالتأكيد ليست أن تمنحه سلطة أكبر من سلطة المدرب.
وليست أن تضمن له مكانًا في التشكيلة إلى الأبد.
وليست أن تقول للاعبين الآخرين إن القواعد تتغير عندما يتعلق الأمر بكريستيانو.
لكنها أيضًا لا ينبغي أن تكون:
أنت لاعب مثل أي لاعب.
لأنه، ببساطة، لم يكن كذلك.
يمكن أن يتساوى اللاعبون في القواعد، لكنهم لا يتساوون في التاريخ.
وهذه ليست إهانة لأحد.
إنها طبيعة الرياضة نفسها.
هناك من يمثل منتخب بلاده لسنوات، وهناك من يمنحه أفضل سنوات مسيرته ويظل يعود إليه أكثر من عقدين.
وهناك حالات نادرة جدًا يتجاوز فيها اللاعب حدود الملعب، فيصبح رمزًا رياضيًا لبلده أمام العالم.
ورونالدو واحد من تلك الحالات.
ولهذا فإن المعاملة المختلفة التي يستحقها لا ينبغي أن تكون امتيازًا فنيًا.
بل تقديرًا تاريخيًا.
أن يُسمع قبل أن يُحكم عليه.
أن يكون الحوار معه بحجم الرحلة التي قطعها.
أن يعرف موقعه بوضوح.
وأن تُدار سنواته الأخيرة مع المنتخب بشيء من الحكمة التي تحفظ سلطة المدرب، وتحفظ في الوقت نفسه مكانة الرجل الذي حمل شارة البرتغال وقميصها عبر أجيال كاملة.
فالاحترام لا يعني الخضوع.
والوفاء لا يعني أن تمنح الأسطورة حقًا أبديًا في اللعب.
والتقدير لا يعني أن يصبح الماضي أقوى من الحاضر.
لكنه يعني شيئًا أبسط من ذلك بكثير:
ألا ننسى الماضي ونحن نصنع الحاضر.
سيأتي يوم يجلس فيه رونالدو على مقاعد البدلاء للمرة الأخيرة.
وسيأتي يوم لن يكون فيه اسمه ضمن قائمة البرتغال.
وسيأتي اليوم الذي يرتدي فيه ذلك القميص للمرة الأخيرة.
هذه هي كرة القدم.
لا أحد يستطيع إيقاف الزمن، حتى الرجل الذي قضى معظم مسيرته متحديًا إياه.
لكن عندما يأتي ذلك اليوم، لن يكون السؤال فقط عن عدد الأهداف التي سجلها، ولا عن المباريات التي لعبها، ولا حتى عن البطولات التي رفعها.
سيكون هناك سؤال آخر يخص البرتغال نفسها:
كيف ودّعت واحدًا من أعظم من ارتدوا قميصها؟
لأن طريقة استقبال النجوم مهمة.
لكن طريقة توديعهم تكشف شيئًا أعمق عن المؤسسات التي مثّلوها.
وربما لهذا لا يحتاج كريستيانو رونالدو في نهاية رحلته إلى وعد بمقعد أساسي، ولا إلى ضمان بتسعين دقيقة، ولا إلى قرار فني يُتخذ إرضاءً له.
إنه يحتاج إلى شيء لا تمنحه اللوائح ولا تكتبه عقود اللاعبين:
أن يشعر بأن أكثر من عشرين عامًا لم تصبح، فجأة، مجرد رقم في الأرشيف.
فالتاريخ لا يطلب أن يحكم الحاضر،
لكنه يستحق ألا يُعامل كأنه لم يكن.
فالأساطير ترحل…
لكن ما صنعته لا يرحل معها،
بل يبقى في الذاكرة.












