آخر تحديث: 5 / 10 / 2026م - 11:22 م

حين تلتقي التقنية بالصافرة.. سباق التطور في السباحة السعودية

سجاد الجشي


من حكام منطقة الدمام

قبل عدة أيام، تشرفت بأن أكون ضمن طاقم التحكيم في بطولة المنطقة الشرقية للسباحة، في تجربة ثرية ومليئة بالفوائد القانونية والإنسانية والحياتية، وسط مشاركة واسعة قاربت 500 لاعب، إلى جانب المدربين والإداريين، ليصل إجمالي المشاركين في المنظومة التنظيمية والفنية إلى نحو 550 شخصًا، دون احتساب الجماهير والحضور.

ما لفت انتباهي في هذه البطولة لم يكن حجم المشاركة فحسب، بل مستوى التنظيم، ودقة العمل، وانسيابية المنافسات التي امتدت على مدى ثلاثة أيام حافلة بالتفاصيل والمسؤوليات.

ورغم كثافة المهام وتعدد الأدوار، مضت الأيام الثلاثة وكأنها يوم واحد؛ بسلاسة وانتظام وروح فريق عكست حجم الجهد المبذول خلف الكواليس.

ومع وجود رئيس لجنة الحكام، الحكم الدولي الأستاذ وليد عسيري، ورئيس حكام المنطقة الشرقية، الحكم الدولي الأستاذ عيسى المكراني، إلى جانب نخبة من الحكام الدوليين، لمسنا كطاقم تحكيم حجم الثقة والمسؤولية التي مُنحت لنا.

لم نشعر يومًا بأننا مجرد أفراد ضمن منظومة كبيرة، بل شعرنا بأننا جزء أصيل من نجاح البطولة؛ وأن كل قرار، وكل موقف، وكل مهمة، مهما بدت بسيطة، تسهم في صناعة الصورة الكاملة لهذا الحدث.

ومن أجمل ما خرجنا به من هذه التجربة تلك التوجيهات المستمرة التي تلقيناها، والتي لم تقتصر على الجانب التحكيمي، بل امتدت لتكون دروسًا حقيقية في القيادة، وإدارة الحشود، وحسن التعامل، وسرعة اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية.

وكانت الرسالة الأهم التي رافقتنا:

المسؤولية ليست منصبًا، ولا حضورًا، ولا صلاحية تُمنح للإنسان؛ بل هي أمانة. وأن تكون مسؤولًا يعني أن تكون على قدر هذه الأمانة أمام الله أولًا، ثم أمام وطننا الغالي.

من الصافرة إلى التقنية.. سباحة تتطور

ومن المشاهد التي تستحق التوقف عندها كذلك، التطور المتسارع والملحوظ الذي تشهده رياضة السباحة السعودية خلال فترة زمنية قصيرة.

وهذا التطور لا يظهر فقط في اتساع قاعدة المشاركة، وإنما في طريقة إدارة البطولات، وتوظيف التقنية، ورفع كفاءة العمليات الفنية والتنظيمية.

ومن أبرز مظاهر هذا التطور التحول الرقمي في خدمات الاتحاد السعودي للسباحة؛ إذ أصبحت الخدمات والإجراءات المرتبطة بالاتحاد والبطولات تُدار إلكترونيًا من خلال موقع الاتحاد، بما في ذلك الإجراءات ذات العلاقة بالمشاركين، وهو ما انعكس على سرعة الإنجاز، وسهولة الوصول إلى المعلومات، وتقليل الإجراءات التقليدية.

والأهم من ذلك أن المنظومة الرقمية أصبحت جزءًا فعليًا من إدارة المنافسات؛ فالنتائج تظهر بشكل فوري ومتزامن، رغم ضخامة أعداد المشاركين وتعدد السباقات والمنافسات.

وهنا ندرك أن التقنية لم تعد مجرد أداة مساندة، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في نجاح الحدث الرياضي، خصوصًا عندما تتعامل المنظومة مع مئات المشاركين، وسباقات متعددة، ونتائج تحتاج إلى الدقة والسرعة في الوقت نفسه.

وهنا يظهر الجانب الفني في عملية التطوير، من خلال العمل على ربط الجانب الفني بالتنظيمي والتقني، بما يجعل البطولة لا تقتصر على إقامة السباقات، وإنما تقدم تجربة متكاملة للاعب والمدرب والحكم والإداري.

ويبرز في هذا السياق دور المدير الفني الأستاذ فارس عطار، من خلال الإشراف على الجوانب الفنية وتطوير آليات العمل بما يتناسب مع حجم المشاركات وتوسع قاعدة المنافسة.

فنجاح البطولات اليوم لم يعد مرتبطًا بالجانب الميداني وحده، بل أصبح يعتمد على تكامل البيانات، وسرعة معالجة النتائج، ودقة الإجراءات، ووضوح المسارات الفنية والتنظيمية.

وهذا النوع من التطوير هو ما يصنع الفارق بين بطولة تُقام، ومنظومة رياضية تتطور.

التطوير يبدأ من الميدان

كما أن المتابعة المستمرة من رئيس الاتحاد السعودي للسباحة الأستاذ عقيل الشيباني، ونائبه الأستاذ لؤي طاشكندي، إلى جانب حضور المدير التنفيذي الدكتور زياد أبو الحمايل في العديد من البطولات، وحرصه على الاستماع إلى آراء المدربين واللاعبين وكل من يرتبط بهذه الرياضة، والتواجد بينهم ومشاركة تفاصيل المنافسات عن قرب، يعكس توجهًا نحو بناء منظومة تعتمد على التواصل المباشر والاستماع إلى الميدان.

ومثل هذا الحضور والتواصل لا يُقاس فقط بحجم المشاركة في البطولات، وإنما بما يتركه من أثر في تطوير آليات العمل، ومعالجة التحديات، والاستفادة من الملاحظات، وتحويلها إلى خطوات عملية.

وما أصبحنا نلمسه في مشاركات الاتحاد السعودي للسباحة محليًا ودوليًا هو نتيجة طبيعية لتراكم هذه التفاصيل؛ من التنظيم والتحول الرقمي، إلى التطوير الفني، ورفع مستوى المنافسات، وصولًا إلى الحضور المتنامي للسباحة السعودية في المحافل الدولية، وبروز اسم المملكة العربية السعودية بصورة تليق بما تشهده الرياضة السعودية من تطور.

همة وطن.. وطموح لا يتوقف

وفي ختام هذه التجربة، أستحضر مقولة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله:

«لدينا جبل دائمًا نضرب به المثل، اسمه جبل طويق، ولدى السعوديين هِمّة مثل هذا الجبل…»

وما نشهده اليوم في الرياضة السعودية، ومن بينها رياضة السباحة، ليس إلا انعكاسًا لهذه الهمة؛منظومة تتطور، وتقنية تُسخّر لخدمة الرياضة، وكفاءات تعمل في الميدان، ومسؤولية تُحمل، وطموح يتجاوز حدود الإنجاز الحالي نحو حضور أكبر وأكثر تأثيرًا.

كل الشكر والتقدير لكل من كان خلف هذا النجاح، ولكل من منحنا الثقة والمسؤولية، ولكل زميل وزميلة أسهم في صناعة هذه التجربة الثرية.

فخور بأن أكون جزءًا من هذه المنظومة، وفخور أكثر بأن تكون هذه الجهود باسم وطننا الغالي.

فالطموح لا يتوقف عند إنجازٍ تحقق… بل يبدأ من حيث انتهى الآخرون.