آخر تحديث: 7 / 10 / 2026م - 1:19 ص

زوجة وزوج

المهندس أمير الصالح *


تمهيد

«سكن لكم» الآية، تعبير إلهي عظيم لمشروع الزواج والاستقرار الأسري. فما هو الواقع؟

حوار

هل المرأة «الرجل» التي «الذي» اقترنتَ بها «به» تود الاقتران بها «به» هي/ هو:

امرأة بشوشة، متسامحة، متعاونة، متعاطفة، نشيطة، متفائلة، تصالحية، رقيقة، خلوقة، ودودة، دبلوماسية، رزينة، قلبها وعملها معك، محترمة لك وللآخرين، تتجنب مواطن الخلاف وتتجنب مواطن الشبهة، جادة، مثابرة، متعاونة، تتحمل المسؤولية، تجتهد لصنع الأفضل؛

أم إنها امرأة «رجل» عبوسة، نكدية، حنّانة، كسولة، كثيرة المنّ، متسلطة، متجهمة، كثيرة النقد، كثيرة المقارنة بالأخريات، كثيرة الطلبات، مادية بشكل صرف، مستغلة، مبتزة، انتهازية، فوضوية، مكفهرة، قليلة الامتنان للآخرين، أنانية، حقودة، حسودة، مزاجية… إلخ.

الزواج ليس قصة خيالية رومانسية خالية من الصعوبات كما في الروايات الأدبية العالمية، ولا استنساخ تجربة روميو وجولييت، ولا طبقًا لنظم بعض أشعار نزار قباني في الغزل والتغنج، ولا توافق ألحان وأنغام غناء كاظم الساهر لأغنية «زيديني عشقًا، زيديني»؛ بل قرار الاقتران بين الرجل والمرأة هو قرار مفصلي ولوجستي وإداري واجتماعي ومالي، ولعله أهم قرار في حياة الفتى والفتاة؛ لأنه ينعكس على بقية العمر.

إن توقيع وثيقة قانونية مسمّاها عقد النكاح بين أي رجل وأي امرأة، يحكم أحدهما روح الفوضى والعشوائية والمزاج المتقلب والهروب من المسؤولية والأنانية المفرطة وحساب الكسب والخسارة، أو السعي وراء إشباع رغبات جسدية أو مادية معينة، أو هروب من واقع أليم، أو البحث عن مصادقة خارجية عابرة، أو جني أرباح أو مركز مالي لأحد الطرفين، أو هروب من التوتر المزمن، هو بمثابة توقيع على شهادة إمكانية الإصابة بحالة مقاربة للجنون والإفلاس الروحي والعقلي والمالي والنفسي، وإمكانية حدوث زيارات متعددة للمحاكم والمستشفيات والشرطة!!

معدن نفيس ومعدن رخيص

من وجهة نظر المتقدم/المتقدم لها، كيف تكتشف الزوج/ الزوجة الصالحة قبل الارتباط:

هل تتعرف الفتاة على المتقدم لها عن طريق الانجذاب إلى الشكل، والإعجاب بأسلوب التحدث، والأناقة في الملبس والسيارة، والإعجاب بالمركز الوظيفي والمالي، والمستوى الثقافي، ومستوى الشهادة الأكاديمية… إلخ. أم بطرق أخرى؟ وما هي؟ وهل تستقيم بتعاليم الدين والعرف والقيم أم ترقيعية؟

أم إن الزواج لعبة حظ ونصيب؟

ما بعد الارتباط:

هل تتعرف الزوجة على شخصية زوجها، من خلال التضحية والمواقف، أم من خلال البذل السخي في الأفراح والمناسبات، أم من خلال تحمل المسؤولية، أم من خلال الحوار الهادف، أم من خلال إدارة الأزمات وامتصاص الضغوط، أم عند الاختلاف، أم عند حالات الغضب؟!

أو لا هذا ولا ذاك؟ ظل راجل ولا ظل حيطة!

طبقات

نسمع بجملة عصير طبقات طازج، ونسمع عن مصطلح طبقات الأرض الجيولوجية، وكذلك نسمع اجتماعيًا كلمة الطبقة الاجتماعية الفلانية «المخملية/ المهمشة/ الأرستقراطية… إلخ». فهل مجتمع أهل الإيمان بالله تسلل إليه ذلك المصطلح وتم تفعيله، أم ما زال مجتمعًا محافظًا وإيمانيًا كما يصف نفسه بذلك؟ المرصود بأرض الواقع يؤكد وجود زواج أبناء الطبقات، كلٌّ وطبقته الرأسمالية. ولذا نسمع جملةً من التعابير تتطابق والواقع بعد أن خاض البعض تجارب، كجملة:

«حلاة الثوب رقعته منه وفيه». وجملة «لا تلبس ثوب أطول منك فيعتك»، وجملة «اقترن بمن هو من فصيلتك».

إذًا، مفهوم الإيمان معوّم في ذاك المجتمع. ويتساءل البعض عن مكان تطبيق الأحاديث الشريفة: «المؤمن كفء المؤمنة» و«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة…» الحديث، أين موقعها من الإعراب في مجتمع يترنح بالمحاضرات ليل نهار، ويتشدق بكثرة مجالس الإرشاد، ويتغنى بكثرة طلاب العلم وتكاثر دور العبادة، حتى أضحى لكل عائلة مجلس باسمها أو مسجد تم بناؤه بمالها. لا تستعجل في الأحكام، دعنا نسمع كل الآراء. ونسمع الطرف الآخر.

الواقع

مؤسف أن نقول حقيقة ملموسة، وهي أنه أصبح تجار الدين كُثُرًا وفي كل المجالات. بعض تجار العقار، وبعض تجار المواد الغذائية، وبعض رواد المساجد، وبعض المدرسين، وبعض المزارعين، وبعض… إلخ، ممن خلعوا ويخلعون ثوب الدين لمجرد بلوغهم لأهدافهم؛ ولذا فإن التذرع بالأحاديث والآيات القرآنية ليس إلا لعق ألسنتهم بالدين للتكسب منه! وهذا الطلاء المزيف لا يمكن للمتذاكين أن يصرّفوه مع أهل الفطنة والبصيرة والخبرة. ليس فقط في مجال التقرب للزواج، بل أيضًا في كل شؤون الحياة والمعاملات والعبادات. كثرة أهل الزيف مصداق للآية الكريمة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41]، وهذا الأمر من بلاء هذا الزمن؛ وهو أيضًا مصداق من مصاديق اختلاط الحابل بالنابل. فالبعض اتخذ ويتخذ من الدين مطية لبلوغ مصالحه.

ما الحل

بذل الجهد وتشخيص الأمور بموضوعية، ودراسة كل حالة بحالها. وتفعيل العقل أكثر من العاطفة في كل الأمور الحياتية، بما فيها الإقدام على الاقتران بهدف الزواج والمصاهرة، أو بهدف المشاركة في التجارة.

مخللات بشرية

من الطرائف العراقية المنقولة:

أكو فتاة مغرورة اسمها «أحلام»، كانت ترفض كل من يتقدم لطلب يدها، وكانوا كلهم أكفاء، فكبرت وغيرت اسمها من أحلام إلى «حقيقة»!

أكو فتى وسيم مغرور اسمه «جميل»، كان رافضًا لفكرة الزواج مع كمال استطاعته وصحته، كبر وهرم وبان عليه الضعف، وذهب لتغيير اسمه من جميل إلى «…».

سألوا شخصًا تخطى عمره الأربعين عامًا، ومنقّف «نعم بالنون وليس بالثاء» وميسور الحال: لماذا لم تتزوج حتى الآن؟ فرد وقال: الحب أعمى، وأنا بعدي أرى وأبصر!

«تم القبض»

إنجاح فكرة الزواج في أوساط الشباب والفتيات في زمن المغريات والشهوانيات وانتشار الرذائل في فضاء العالم الافتراضي الرقمي، هي مسؤولية تتخطى الأفراد والعوائل إلى مسؤولية جماعية واجتماعية تكاملية، يجب السعي الحثيث والدؤوب لتشجيع الشباب والفتيات على العقلنة والإقدام عليها مع بعض التنازلات والتفاهمات. فصيانة الأفراد من الانحلال والمجون واجب أخلاقي وديني ووطني. فما مقاطع «تم القبض» الأخيرة، والتي تعلنها بعض وزارات الداخلية في بعض الدول بكل تفانٍ ومهنية، ولها جزيل الثناء، والتي كشفت وتكشف عن وجود انزلاقات أخلاقية خطيرة في صفوف بعض الفتيات والفتيان، ووجود أوكار رذيلة ببعض المدن والفنادق والمنتجعات، وضحايا من أبناء الوطن الغالي، لأمر جلل. وهذا أمر يستوجب المبادرات العديدة في تهيئة وتيسير أمور الزواج وصناعة الأفضل لتحصين الشباب والفتيات من مخاطر الرذيلة والفوضى الانحلالية في كل المجتمعات حول العالم. كم كنت أدعو الله أن يتم إطلاق ميثاق أخلاقي إعلامي دولي يحظر ويجرّم صنع ونشر مواد الرذيلة إعلاميًا في العالم الرقمي والواقعي. وكم أدعو الله أن يتم إطلاق ميثاق اجتماعي يسهل أمور الزواج وييسره، ويكسر الحواجز لمن حَسُن خلقه ودينه، وكبرت طموحاته وهمته لصنع الأفضل في غده.