آخر تحديث: 7 / 10 / 2026م - 1:19 ص

عيسى (ع)... وروحٌ منه

يوسف الطويل *


تأملت يومًا معجزات الأنبياء، فتوقف ذهني طويلًا عند عيسى .

موسى شق الله له البحر، وانقلبت عصاه حية تسعى.

وإبراهيم جعل الله النار عليه بردًا وسلامًا.

وسليمان سخر الله له الريح والجن.

معجزات عظيمة، ولكل نبي ما خصه الله به.

لكن معجزات عيسى استوقفتني بطريقة مختلفة.

فهو يقول:

﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ .

ثم ما هو أعجب:

﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ .

ويبرئ الأكمه والأبرص، ويقول لقومه:

﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ .

توقفت هنا.

لماذا عيسى تحديدًا؟

ولماذا نُسبت إليه هذه الأفعال بهذه الصراحة؟

بالطبع، القرآن يحسم الأمر بتكرار «بإذن الله»؛ فعيسى عبد الله ورسوله، ولا يملك شيئًا استقلالًا عن الله.

لكن السؤال بقي:

لماذا أعطى الله عيسى هذه الخصائص بالذات؟

فرجعت إلى بداية قصته.

ولم أتوقف عند السؤال المعتاد: كيف وُلد من غير أب؟

الذي استوقفني أكثر هو قول الله تعالى عن مريم:

﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ .

ثم وجدت القرآن يصف عيسى نفسه بقوله:

﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ .

وروحٌ منه!

توقفت عند هذه العبارة طويلًا.

هل يمكن أن يكون هنا مفتاح لفهم شيء من خصوصية عيسى ؟

فالاستثناء في حياته لم يبدأ عندما كبر وبدأ دعوته، بل ظهر منذ اللحظات الأولى.

أشارت إليه أمه وهو طفل، فاستنكر قومها:

﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ .

فجاءهم الجواب من الصبي نفسه:

﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ .

طفل في المهد يتكلم.

ثم يكبر، فيخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله، وينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ويخبر الناس ببعض ما خفي عن أعينهم.

ثم عندما أرادوا قتله، يقول القرآن:

﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ .

ثم:

﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ .

وهنا خطر لي سؤال مختلف:

ماذا لو لم تكن هذه أحداثًا متفرقة؟

ماذا لو كان بينها خيط واحد؟

نفخة من الروح في بداية التكوين...

ثم طفل يتكلم في المهد...

ثم نبي يقول: أخلق، وأنفخ، وأبرئ، وأحيي بإذن الله...

ثم يصفه القرآن نفسه بأنه:

﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ .

ثم يرفعه الله إليه.

فهل يمكن أن تكون بعض هذه الخصائص امتدادًا لخصوصية تكوين عيسى وارتباطه بالروح؟

لا أطرح هذا تفسيرًا قطعيًا للآيات، ولا أزعم أنه يلغي ما قاله المفسرون أو يتعارض معه، وإنما هي محاولة تدبر؛ أن نضع الآيات بجانب بعضها، ونبحث عن الخيط الذي قد يجمع بينها.

كما أن خصوصية عيسى لا تعني تفضيله على سائر أنبياء الله بسبب هذه المعجزات؛ فالأنبياء لم يكونوا نسخًا متطابقة.

لم يحتج إبراهيم إلى عصا موسى، ولم يحتج موسى إلى ملك سليمان، ولم تكن معجزات محمد ﷺ هي معجزات عيسى.

اختلاف المعجزة لا يعني اختلاف المنزلة.

وإنما لكل رسول رسالته، ولكل مرحلة آيتها، ولكل نبي ما شاء الله أن يخصه به.

ولعل خصوصية عيسى لم تكن في معجزاته وحدها، وإنما في تكوينه ورسالته ومعجزاته مجتمعة.

عيسى ابن مريم بشر ورسول من أولي العزم.

لكنه في الوقت نفسه ذلك النبي الذي قال الله عنه:

﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ .

فهل قرأنا قصة عيسى من قبل بهذه الزاوية؟

أم أننا انشغلنا طويلًا بسؤال:

كيف وُلد من غير أب؟

ونسينا أن نسأل:

ما سر هذا الارتباط المتكرر بين عيسى والروح؟

لعل الجواب يكمن في بداية تكوينه نفسها؛ فقد شاء الله أن يكون عيسى بشرًا ورسولًا، ولكنه خصه بتكوين ارتبط بالروح ارتباطًا لم نجده بهذه الصورة عند غيره، ثم ظهرت في حياته خصائص استثنائية، كلها بإذن الله.

فهل كانت تلك المعجزات أحداثًا منفصلة، أم كانت آثارًا مختلفة لخصوصية واحدة بدأت منذ أن قال الله تعالى:

﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ ؟