آخر تحديث: 9 / 10 / 2026م - 11:49 م

الخليقة التي لا تأتي وحدها

سراج علي أبو السعود *


سألتُ الصديق فرات يومًا: هل تظن أنَّ في منظومة الأخلاق صفةً أجمل من التسامح؟ كان سؤالنا مدخلًا إلى نقاشٍ حول الشجاعة والكرم والصدق والأمانة والورع، وغيرها من الفضائل. ولكن أيُّ هذه الصفات إذا تحلَّى بها الإنسان، غلب أن تجتمع معها فضائل أخرى؟ لا أتحدث عن قاعدة حتمية؛ فالنفوس أعقد من أن تُختزل في حكمٍ واحد، وإنما أبحث عن خليقةٍ قلَّما تأتي وحدها.

اتفقنا، أنا وفرات، إلى حدٍّ ما، على أنَّ التسامح، حين يكون عن قدرةٍ لا عن عجز، شجاعةٌ من نوعٍ رفيع؛ فالشجاعة ليست أن ينتصر المرء على غيره في عراك، بل أن يروِّض ذلك الوحش الكاسر الذي يُسمَّى «النفس». والغريب أنَّ المتسامح قد يكون قادرًا على معاقبة خصمه، ثم يختار ألَّا يفعل؛ فكأنَّه ينتصر مرتين: حين يقدر على خصمه، وحين يقدر على نفسه، والانتصار الثاني أعظم! وليس العفو إقرارًا بالظلم، ولا التسامح تفريطًا في الحقوق؛ فقد أطالب بحقي دون أن أُسكن الحقد قلبي. وإذا حضرت الشجاعة استحضرنا الكرم، تلك الفضيلة التي خلَّدت حاتم الطائي؛ فنحن نمدح الكريم لأنَّه يعطي الناس مما يملك، ولكنَّ المتسامح يمنحهم شيئًا أعزَّ من المال؛ يمنحهم فرصةً ألَّا يبقوا أسرى لأخطائهم في حقه. وللتسامح وجهٌ آخر، هو سعة الصدر للرأي المخالف؛ فصاحبه يُحسن الإصغاء، ولا يرى في الرجوع إلى الحق هزيمة. وهكذا يلوح التسامح مصحوبًا بالشجاعة والكرم والتواضع، ولست أجزم بأنَّه يُنشئ هذه الفضائل؛ فلعلَّها هي التي تُثمره، لكنَّه علامةٌ على اجتماع شيءٍ منها في النفس.

الحقيقة ان الحديث عن التسامح يقودنا إلى نقيضه: الحقد، وهو من أخبث الطباع، وكثيرًا ما تصحبه رذائل أخرى. والأعجب أنَّ الحقود يتوهَّم أنَّه يعاقب من أساء إليه، بينما هو يعاقب نفسه؛ فقد ينام المسيء قرير العين، فيما يظلُّ هو ساهرًا يعيد محاكمة جريمةٍ لا يعلم صاحبها أنَّ جلساتها لم تنتهِ بعد! وليس الحقود خاليًا بالضرورة من الفضائل، ولكنَّ الحقد قد يحجب محاسنه. فإذا ظفرت، قارئي العزيز، بصديقٍ متسامح أو زوجةٍ تتزيَّن بهذه الخليقة، فقد ظفرت بكنزٍ لا يُقدَّر بثمن. فالمتسامح ليس إنسانًا لا يعرف الغضب أو لا تؤلمه الإساءة، بل إنسانٌ يرفض أن يجعل من أخطاء الآخرين أخلاقًا له؛ فالمسيء مسؤولٌ عن إساءته، ولكنَّك أنت المسؤول عمَّا تصنعه تلك الإساءة بقلبك. تلك هي الخليقة التي لا تأتي وحدها.