آخر تحديث: 9 / 10 / 2026م - 11:49 م

للأرقام إجابة… وللحياة حكاية

فوزي آل غريب *


في الرياضيات، لا مكان للمجاملة؛ ستة في ستة تساوي ستة وثلاثين. لا تتغيّر النتيجة بتغيّر الأشخاص، ولا تخضع لمصلحة أو مزاج. أمّا في العلاقات الإنسانية، فليس كل ما يبدو ثابتًا يبقى كذلك؛ قد تتبدّل المواقف، ولا تتحقق الوعود، ونجد أنفسنا نراجع ما كنّا نثق به.

قد تمنح إنسانًا مواقف صادقة لا تُحصى، ثم لا تجد له موقفًا واحدًا حين تحتاج إليه. وقد تمنح آخر دقائق قليلة من وقتك، فيحفظ لك أثرها سنوات، وربما العمر كله.

ستة في ستة تساوي ستة وثلاثين… إلا في الحياة.

نحن نخطئ حين نتصور أن كل ما نقدمه لا بد أن يعود إلينا بالمقدار نفسه، وكأن العلاقات دفتر حسابات: وفاء يقابله وفاء، واهتمام يردّه اهتمام، وموقف لا بد أن يُسدَّد بموقف. لكن الإنسان أكثر تعقيدًا من معادلة، والقلوب لم تُخلق لتكون آلات حاسبة.

المشكلة ليست في اختلاف الناتج وحده، بل في أن بعضنا يمضي عمره محاولًا موازنة المعادلة:

كم أعطيت، وكم أخذت؟ كم مرة سألت، وكم مرة سألوا؟ من وقف معي، ومن غاب حين احتجت إليه؟

وحين تتحول العلاقات إلى حساب مستمر، تفقد شيئًا من معناها؛ لأن أجمل ما فيها هو ما نفعله لأنه يشبهنا، لا لأنه استثمار ننتظر عائده.

ولعل انشغالنا بالحساب لا يتوقف عند العلاقات. فكثير من تفاصيل حياتنا يُقاس بالأرقام: ساعات العمل، والخطوات التي نمشيها، وما نملك، وما ننجز. وحتى حضورنا في أعين الآخرين أصبح يُختصر أحيانًا في أرقام تظهر على شاشة.

ولا مشكلة في الأرقام؛ فنحن نحتاجها لنفهم ونقارن ونخطط. المشكلة تبدأ حين نمنحها وحدها سلطة الحكم على قيمة الأشياء.

فليس اليوم الممتلئ بالمواعيد أكثر قيمة بالضرورة من ساعة هادئة أعادت إلى إنسان توازنه. وليس من أنجز عشرة أمور أكثر نجاحًا دائمًا ممن أنجز أمرًا واحدًا غيّر به مسار حياته. كما أن كثرة من حولك لا تخبرك بالضرورة عن مقدار ما تملكه من صحبة حقيقية.

هناك أشياء تستطيع الأرقام أن تحصيها، لكنها لا تستطيع أن تزنها.

يمكنك أن تحسب سنوات المعرفة، لكنك لا تستطيع أن تضع رقمًا لصدقها. وتستطيع أن تحسب دقائق اللقاء، لكنك لا تستطيع أن تقيس أثر كلمة قيلت في اللحظة المناسبة. ويمكنك أن تعدّ ما قدّمته للآخرين، لكنك لن تعرف دائمًا أين انتهى أثره، ولا متى سيعود، ولا إن كان سيعود أصلًا.

وهنا تكمن إحدى مفارقات الحياة: ما يمكن حسابه ليس دائمًا هو الأهم، وما هو أهم ليس دائمًا قابلًا للحساب.

لكن العطاء دون انتظار المقابل لا يعني أن يغيب التقدير، كما أن التسامح لا يعني أن نقبل كل شيء. هناك فرق بين أن تمنح لأن العطاء من أخلاقك، وبين أن يستمر عطاؤك في مكان لا يعرف قيمته.

افعل المعروف لأنه يمثلك، واحفظ الود لأنه من شيمك، وكن حاضرًا لأنك اخترت أن يكون لك أثر طيب في حياة من تحب. وفي الوقت نفسه، اعرف أين تضع مشاعرك، ولمن تمنح وقتك، ومتى يصبح الحفاظ على المسافة أكثر حكمة من الاستمرار في علاقة تستنزفك.

ومع الأيام، ندرك أن قيمة ما نقدمه لا يحددها مقدار ما يعود إلينا. فالكلمة الطيبة لا تُقاس بعدد حروفها، والموقف النبيل لا يُقاس بطول بقائه، والأثر الجميل قد تصنعه لحظة واحدة، ثم يظل حاضرًا في ذاكرة إنسان لسنوات.

وربما لهذا لا تكون بعض خساراتنا خسارة كاملة، ولا بعض مكاسبنا مكسبًا كاملًا. فقد تمضي وقتًا في تجربة لم توصلك إلى ما أردت، لكنها تعلمك ما كنت ستحتاج إلى سنوات لتفهمه. وقد تصل إلى رقم كنت تطارده طويلًا، ثم تكتشف أن الوصول إليه لم يمنحك الشعور الذي كنت تتوقعه.

الحياة لا تعرض علينا دائمًا فاتورة واضحة بما أخذت وما أعطت. وليس لكل عطاء ناتج يمكن تدوينه، ولا لكل موقف رقم يمكن وضعه أمامه. بعض الأشياء قيمتها فيما تتركه فينا وفي الآخرين، لا فيما نسترده منها.

لذلك، لا تحاول أن تجعل البشر معادلة، ولا تجعل قلبك دفتر حساب، ولا تجعل الأرقام وحدها تقرر قيمة ما عشته. فقد تتسع دقيقة لأثر يبقى سنوات، وقد تمر سنوات لا تجد فيها ما يسندك في لحظة احتياج واحدة.

وبين ما نمنحه وما يصل إلينا، تنمو معرفتنا بالآخرين وبأنفسنا. نعرف أين يستريح القلب، ولمن نعطي من وقتنا، ومتى نترك للأشياء مسافتها دون أن نفقد قدرتنا على الود.

وربما تكون أجمل العلاقات تلك التي تغلق فيها دفاتر الحساب من تلقاء نفسها؛ يكفي أن تلتفت، فتجد من يفسح لك مكانًا، دون أن يسألك عمّا قدّمت، أو يذكّرك بما منحك. عندها تعرف أن لك في قلب أحدهم مكانًا لا تحتاج إلى كسبه في كل مرة.