آخر تحديث: 11 / 10 / 2026م - 12:53 ص

خلّها على الله

باسم آل خزعل


في تراحيب العقود والأفراح، وفي هذه الليالي، وبين الأهل والأحبة، وفي تلك اللقاءات التي تجمعنا على المودة، التقيت بأرواح طيبة، تستقبلك بابتسامة صادقة، وتبادلك السلام والترحيب، وكأن هذه المناسبات تمنحنا فسحة صغيرة نلتقط فيها أنفاسنا، وننسى لبعض الوقت شيئًا من مشاق الحياة وأعبائها.

لكن ما لفت انتباهي، وتكرر على مسامعي في أكثر من لقاء، هو كلمة بسيطة في حروفها، عميقة في معناها، «خلّها على الله».

ما إن تفتح مع أحدهم حديثًا عابرًا، حتى تجد أبواب قلبه تنفتح معك، ويبدأ في سرد ما يواجهه من هموم، وما يعترض طريقه من عقبات، وما ينتظره من أمور قد تبدو مستعصية، ثم يختم حديثه بتلك العبارة التي تختصر الكثير: «خلّها على الله»، لا استسلامًا للعجز، بل تفويضًا لله، وأخذًا بالأسباب، وثقة بمن بيده الأمر كله.

تأملت هذه الكلمة، فوجدت فيها شيئًا من الطمأنينة التي نفتقدها وسط زحام الحياة، وشيئًا من الإيمان الذي يخفف وطأة القلق، ويمنح القلب مساحة للأمل، حتى حين تضيق الخيارات وتتعثر الخطوات.

فكم من أمر سعينا إليه بكل ما نملك من جهد، وحسبنا أن الطريق إليه واضح، فإذا به يتعثر عند أول منعطف! وكم من أمنية طال انتظارها، وبذلنا لأجلها الأسباب، ثم وجدنا أن ما نملكه من تدبير لا يكفي وحده لتحقيقها. عندها نتذكر أن للحياة أقدارًا لا نحيط بحكمتها، وأن الأمور ليست دائمًا كما نريد، لكنها تجري بعلم الله وتقديره.

ومع ذلك، فإن «خلّها على الله» ليست دعوة إلى ترك السعي أو الاستسلام للعقبات، بل هي أن نأخذ بالأسباب، ونجتهد فيما نستطيع، ثم نترك ما لا نستطيع لله، من دون أن نستنزف أرواحنا في القلق، أو نرهق قلوبنا بكثرة التفكير فيما لم يحدث بعد.

ولعل أجمل ما في هذه العبارة أنها لا تحتاج إلى مقدمات طويلة، ولا إلى مواساة منمقة؛ يكفي أن يقولها أحدهم بصدق، حتى تشعر بأن حملًا ثقيلًا قد خفّ، وأن بابًا للأمل ما زال مفتوحًا، وأن وراء ضيق اليوم سعة قد لا نراها الآن.

كم نحتاج إلى هذه الروح في تعاملاتنا، وفي بيوتنا، وأعمالنا، وعلاقاتنا مع الآخرين! نحتاج إلى أن نخفف عن بعضنا، وأن نصغي دون أن نحكم، وأن نواسي دون أن ندّعي امتلاك الحلول لكل مشكلة؛ فليس كل من أخبرك بهمّه ينتظر منك حلًّا؛ قد يكون كل ما يحتاج إليه قلبًا يسمعه، وكلمةً تسانده، ودعوةً صادقةً بظهر الغيب.

وفي نهاية المطاف، نمضي في الحياة نحمل أمنياتنا ومخاوفنا، ونفرح حين تتيسر أمورنا، ونحزن حين تتعثر، لكننا نتعلم مع الأيام أن راحة القلب لا تأتي من امتلاك الإجابات كلها، بل من الثقة بأن الله يعلم ما لا نعلم، ويرى ما لا نرى، وأن تدبيره أوسع من تدبيرنا.

فإذا ضاقت بك الأمور، وأغلقت أمامك الأبواب، وبذلت ما تستطيع من جهد، فلا تتعب قلبك بما خرج عن قدرتك، ولا تفقد الأمل عند أول عثرة. خذ بالأسباب، وأحسن الظن بالله، ثم قلها مطمئنًا: «خلّها على الله».

فما أجملها من عبارة، حين تخرج من قلب مؤمن، وما أعمقها من معنى، حين تصبح أسلوبًا نعيش به، لا مجرد كلمات نرددها.

اللهم دبر لنا أمورنا، واختر لنا الخير حيث كان، وأرْضِنا بما قسمت، وافتح لنا أبواب الفرج والتيسير، واجعل لنا من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ومن كل عسر يسرًا.

خلّها على الله… حتى تمضي الأمور إلى حيث أراد الله لها أن تكون.