آخر تحديث: 11 / 10 / 2026م - 12:53 ص

الرجال مواقف والقلوب لها حدود

الدكتور ماهر آل سيف *


يقول الشاعر الشعبي في أبياتٍ ذاعت بين الناس:

«ومن لا حسب لك لا تحسب حسابه
كم واحدٍ نحسبه محزم ورجال
ويوم احتمى الميقاف ما ينغزى به»

أبياتٌ ليست في ظاهرها إلا عتابًا، ولكن في باطنها كتابٌ في الرجال، وميزانٌ للأفعال، ودرسٌ في معرفة من يستحق القرب ومن يستحق الاعتزال.

فالإنسان لا يعرف الناس في ساعة الرخاء، بل في ساعة البلاء؛ ولا يختبر الصاحب عند اتساع الطريق، بل عند ضيقه؛ ولا يعرف معدن القريب حين تكون الموائد عامرة، بل حين تصبح الأيام عاثرة. فكم من إنسانٍ حسبناه ظهرًا فإذا به عبء، وظننّاه سندًا فإذا به عند الشدة ينسحب، ورأيناه في الكلام فارسًا فإذا جاءت المواقف غاب الفارس وبقي الكلام!

ولهذا قيل: الرجال مواقف، وقيل: الصديق وقت الضيق؛ فالموقف غربال، والشدة سؤال، والوفاء هو الجواب الذي لا يحتاج إلى مقال.

ولكن أجمل ما في الأبيات عندي قولها بمعناها: ندمح خطأ الأصحاب والقرابة. وهذه حكمة تحتاجها علاقاتنا اليوم؛ فليس كل خطأٍ خيانة، وليس كل تقصيرٍ نهاية، وليس من العقل أن نخسر قريبًا بعثرة لسان، أو نهدم صداقة سنوات بسبب موقفٍ يمكن إصلاحه بالغفران.

علّموا أولادكم أن يحفظوا الود، ولكن لا يبيعوا الكرامة؛ وأن يسامحوا الزلة، ولكن لا يعتادوا المذلة؛ وأن يعطوا الناس فرصة، ولكن لا يعطوا المسيء أعمارهم كلها فرصةً بعد فرصة.

وعلّموهم أن الصاحب ليس من يضحك معك في المجالس، بل من يقف معك إذا تكاثرت عليك الهواجس؛ وليس من يصفق لك إذا حضرت، بل من يصون اسمك إذا غبت؛ وليس من يقول: «أنا معك»، بل من تجده أمامك حين يحتاج الموقف رجلًا لا جملة.

أما قول الشاعر: «والصبر ينفذ» فهو كذلك حقيقة؛ فالتسامح فضيلة، لكنه لا يعني فتح الباب للإهانة، والصبر خلق، لكنه لا يعني قبول الاستغلال، والوفاء شيمة، لكنه لا يعني أن تحمل علاقةً مات فيها الاحترام وبقي منها الاسم.

ومتى يقال هذا الكلام؟

يقال بعد موقفٍ كشف معدنًا، لا بعد اختلافٍ صغير؛ وبعد تكرار الإساءة، لا بعد زلةٍ عابرة؛ ويقال للنفس حكمةً أكثر مما يقال للناس خصومة. فما كل من خذلك نذل، فقد يعجز الكريم، ويخطئ الوفي، وتخذل الظروفُ صاحبها؛ ولذلك احكم على الناس بتكرار المواقف لا بانفعال اللحظات.

وأرى أن هذه الأبيات تصلح أن تكون مثلًا شعبيًا في معناها، لا في قسوة بعض ألفاظها. وخلاصتها يمكن أن تصاغ في أمثال أهدأ وأبقى:

الرجل موقف، والصاحب وقت الضيق.

احفظ من حفظك، وتجاوز عمّن زلّ، وابتعد عمّن استهان بك.

لا تقطع ودًا بزلة، ولا تحفظ ودًا بمذلة.

القرابة تُصان، والصداقة تُرعى، والكرامة لا تُباع.

فالحياة أقصر من أن نقضيها في حساب من تجاهلنا، وأجمل من أن نفسدها بمن لا يعرف قدرنا؛ فأكرم الكريم، وسامح النادم، واحتوِ القريب، واحفظ الصاحب، ومن أصرّ على الإساءة فاترك له الطريق… واحتفظ أنت براحة البال.