آخر تحديث: 12 / 10 / 2026م - 1:32 ص

وين الفرنسي في التوست؟

يوسف الطويل *


كنت في سفر، وتوقفنا عند إحدى محطات البنزين. كان النعاس قد أخذ مني مأخذه، فتوقفت عند أحد المقاهي الموجودة في المحطة، وطلبت إسبريسو.

قال العامل: بـ 12 ريالًا.

قلت: أريده دبل شوت.

فأصبح السعر 22 ريالًا!

نظرت إلى الكوب الصغير، ثم إلى السعر، وقلت في نفسي: لا بأس، نحن لا نشتري القهوة هذه المرة، نحن نشتري اليقظة!

وبما أنني توقفت، قلت للعامل: عندك شيء يؤكل؟

قال: عندنا توست فرنسي.

أعجبني الاسم قبل أن أرى صاحبه.

قلت: بكم؟

قال: 30 ريالًا.

طلبته.

وبعد قليل جاءني «الفرنسي»!

شريحة توست، عليها شيء من الزبدة، ومحمصة.

قلبتها بعيني يمينًا ويسارًا، ثم سألت العامل تلقائيًا:

وين الفرنسي فيها؟

قال: نسويها على الطريقة الفرنسية!

قلت له: مستحيل آكل حبة توست بثلاثين ريالًا، وكيس التوست كله بخمسة ريالات!

وأعدتها إليه.

لكنني خرجت من المقهى وأنا أفكر في شيء أكبر من شريحة التوست: كم أضافت كلمة «فرنسي» إلى سعرها؟

كيس التوست الذي قد يحتوي على أكثر من عشرين شريحة يمكن شراؤه بنحو خمسة ريالات. ولو افترضنا جدلًا بيع عشرين شريحة منه، كل واحدة بثلاثين ريالًا، فنحن أمام 600 ريال من المبيعات مقابل كيس توست ثمنه خمسة ريالات.

وبالتأكيد هذه ليست أرباحًا صافية؛ فهناك الزبدة، والعمالة، والإيجار، والكهرباء، والتجهيز، والضريبة، والهدر، وتكاليف كثيرة لا يراها الزبون.

لكن يبقى السؤال:

كم ندفع ثمنًا للطعام، وكم ندفع ثمنًا لاسمه؟

وهذه ليست الحكاية الوحيدة.

في مرة أخرى قررنا أن «نتكشخ» قليلًا، فذهبنا ثلاثة أشخاص إلى مطعم هندي في موقع جميل على الكورنيش.

المكان أنيق، والموقع مميز، وقائمة الطعام كذلك... مميزة جدًا، ولكن بأسعارها!

حسبنا غداءنا، فوجدنا أن الفاتورة ستصل إلى نحو 650 ريالًا لثلاثة أشخاص.

وفي يوم آخر ذهبنا نحن الثلاثة إلى مطعم بخاري، وأكلنا بنحو 70 ريالًا.

بالطبع، لا يصح أن نقول إن المطعمين يقدمان الشيء نفسه. فالموقع مختلف، والإيجار مختلف، والديكور والخدمة والتجهيز والتجربة كلها لها ثمن.

لكن شيئًا آخر كان يلفت انتباهي.

كلما مررنا بالمطعم الهندي كنا نراه بزبون أو زبونين، وأحيانًا لا نرى فيه أحدًا. بينما مطعم البخاري في كل مرة تقريبًا يحتاج منك أن تنتظر حتى يصل دورك.

ومرت الأيام...

وبعد نحو سنتين، أغلق المطعم الهندي أبوابه.

أما البخاري، فما زال يعمل، والطابور أمامه كما هو.

ولا أستطيع أن أقول إن ارتفاع الأسعار هو الذي أغلق المطعم الأول؛ فأنا لا أعرف حساباته ولا ظروفه ولا الأسباب الحقيقية لإغلاقه. لكن التجربتين جعلتاني أسأل سؤالًا اقتصاديًا مختلفًا:

هل الربح في ارتفاع سعر الوجبة، أم في عودة الزبون؟

فالزبون قد يدخل مطعمًا فاخرًا ويدفع مئتي ريال أو أكثر في زيارة واحدة، لكنه قد لا يعود إليه إلا بعد شهرين أو ثلاثة، وربما في مناسبة أو احتفال.

بينما يستطيع الزبون نفسه أن يأكل في مطعم شعبي مرة أو مرتين أو ثلاثًا في الأسبوع؛ لأن السعر يسمح له بذلك.

وهنا تتغير الحسبة.

ليست قيمة الزبون في المبلغ الذي يتركه على الطاولة اليوم فقط، وإنما في عدد المرات التي سيعود فيها غدًا وبعد غد، وخلال سنة كاملة.

وهناك عامل آخر دخل بقوة في اقتصاد المطاعم والمقاهي الحديثة: الصورة.

بعض الناس لا يشتري القهوة وحدها، ولا قطعة الحلوى وحدها، ولا حتى الوجبة وحدها. إنه يشتري معها اسم المكان، والكوب، والديكور، والموقع، والصورة التي سينشرها في حساباته.

وهذا ليس خطأ بالضرورة؛ فالإنسان حر فيما يشتري وفيما يستمتع به، والتجربة نفسها لها قيمة. لكن هذه القيمة تخلق نوعًا مختلفًا من الزبائن: زبون قد يأتي مرة في الشهر أو كل بضعة أشهر، يلتقط الصور ويعيش التجربة ويدفع فاتورة مرتفعة، ثم يبحث في المرة القادمة عن مكان جديد وتجربة جديدة وصورة جديدة.

لكن حتى كلمة «مطعم شعبي» لم تعد تعني بالضرورة السعر الشعبي.

فبعض المطاعم الشعبية اليوم اكتشفت هي الأخرى قيمة «التجربة». لم تكتفِ بتقديم الأكلات التي عرفناها في البيوت والمطاعم البسيطة، بل أعادت بناء مشهد كامل من الماضي: سعف النخيل في السقف، ودلال القهوة القديمة، وماكينة خياطة من زمن مضى، وموقد طبخ قديم، وقوارير المشروبات الغازية التي اختفت أشكالها منذ سنوات.

تدخل لتأكل وجبة شعبية، فتجد نفسك وسط متحف صغير للذاكرة.

والجميل أن هذا جزء من التجربة، ولا اعتراض عليه. لكن المفارقة أن بعض هذه المطاعم ذات الديكور القديم أصبحت أسعارها أعلى من مطاعم ومقاهٍ ذات ديكور حديث!

وهنا عدت إلى سؤال «التوست الفرنسي» نفسه، ولكن بصورة أخرى:

هل الذي رفع السعر هو الطعام... أم الحكاية التي وضعنا الطعام داخلها؟

فمرة نضع شريحة التوست في حكاية فرنسية، ومرة نضع طبقًا شعبيًا في حكاية تراثية، وفي الحالتين لا يعود الزبون يشتري الطعام وحده؛ إنه يشتري المكان والصورة والجو والاسم والذكريات أيضًا.

وهذا حق مشروع لصاحب المطعم، ما دام هناك من يرى أن هذه التجربة تستحق ثمنها. لكن اقتصاديًا يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع هذا الزبون أن يكرر التجربة؟

فهناك فرق بين مكان تقول بعد زيارته: «كان جميلًا، نزوره مرة ثانية في مناسبة»، ومكان تسأل عنه بعد يومين: «وين نتعشى الليلة؟».

ومن هنا ربما نفهم لماذا تبحث بعض المطاعم ذات التكاليف المرتفعة عن مصادر دخل أخرى؛ كالحفلات والمناسبات والتموين «الكاترينق» والعقود. والمفارقة أنها عندما تدخل منافسة على عقد أو كمية كبيرة لا تستطيع دائمًا أن تسعّر بالطريقة نفسها التي تسعّر بها الوجبة داخل المطعم؛ لأن المنافسة هنا تصبح على السعر والكمية، لا على الديكور والإطلالة والصورة.

في الاقتصاد، لا تكفي القدرة على إقناع الزبون بأن يدفع سعرًا مرتفعًا مرة واحدة.

التحدي الأصعب أن تجعله يرى أن ما دفعه يستحق أن يدفعه مرة أخرى.

ولذلك، ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يسأله صاحب المشروع قبل أن يرفع السعر ليس: كم أستطيع أن آخذ من هذا الزبون اليوم؟

بل:

كم مرة أريده أن يعود؟

أما أنا، فقد شربت الإسبريسو يومها، وأدى مهمته وأيقظني من النعاس.

لكن «التوست الفرنسي» الذي لم آكله أيقظ عندي سؤالًا ما زال حاضرًا حتى اليوم:

هل السعر المرتفع يصنع مشروعًا ناجحًا... أم الزبون الذي يعود؟