آخر تحديث: 12 / 10 / 2026م - 1:32 ص

على ماذا نتسابق؟

فوزي آل غريب *


نركض في الحياة كأنّ كل تأخّر خسارة، وقلّما نتوقف لنسأل: إلى أين نمضي؟ وأيّ غاية تستحق أن ننفق في سبيلها أعمارنا وراحتنا؟ نخشى أن يفوتنا الرزق، فنستعجل الخطى، حتى إذا بلغنا ما نريد، وجدنا أن القلق قد أنهك أرواحنا، فلم يبقَ فينا متّسعٌ للفرح.

ولعلّنا، وسط هذا الركض، نحتاج أن نستعيد حكمة المثل الشعبي: «لو تجري جري الوحوش، غير رزقك ما تحوش»؛ كلمات تذكّرنا بأن للسعي طمأنينة ينبغي ألّا نفقدها. فما دام الرزق بيد الله، فلماذا نستنزف حاضرنا في الخوف من الغد، ونحمل من القلق ما يسلبنا سكينة اليوم؟

قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: 6].

في هذه الآية الكريمة ما يبعث الطمأنينة في القلب؛ فخالقنا يعلم مواضعنا وأحوالنا، ورزقنا بيده سبحانه وتعالى، واستحضار هذا المعنى يمنحنا سكينة تعيننا على العمل، وتخفف عنّا وطأة الخوف من نتائج لا نملكها كاملة.

وللإنسان أن يطمح، وأن يعمل، وأن يحسّن ظروفه وظروف أسرته. السعي مسؤولية، والتخطيط للمستقبل ضرورة، ويمكن أن يصحبهما قلب مطمئن؛ نبذل جهدنا، ونأخذ بالأسباب، وندعو الله، مع إدراك أن النتائج ليست كلها في أيدينا.

وقد يبدأ التعب حين نقيس قيمة حياتنا بما وصل إليه الآخرون. نرى نجاح أحدهم، فنحسب تأخرنا خسارة، ونرى ما يملك، فنغفل عمّا بين أيدينا. ثم ندخل سباقًا يبتعد خط نهايته كلما اقتربنا منه؛ فما كان بالأمس أمنية يصبح اليوم أمرًا عاديًا، وتولد بعده أمنية أخرى.

سباق على ماذا؟ على مال نحتاجه لنعيش بكرامة، أم على صورة نريد أن يرانا الناس بها؟ على مستقبل أفضل، أم على إثبات أننا لم نتأخر عن أحد؟ أسئلة تستحق أن نتوقف عندها، لنراجع دوافعنا، ونعرف ما يكفينا، وما يستحق أن نبذل من أجله وقتنا وجهدنا.

وللرزق في حياتنا وجوه تتجاوز المال: عافية، وأهل، وصحبة صادقة، وبيت نجد فيه الأمان. وهذه نعم تستحق أن نلتفت إليها ونحن نسعى، حتى لا يشغلنا طلب المزيد عن شكر الموجود.

والقناعة تمنح الطموح ميزانًا؛ نستطيع أن نطلب الأفضل، وأن نفرح بما تحقق، وأن نمنح أنفسنا وقتًا للراحة دون شعور بالذنب. فليس كل تأخر نهاية، وليس كل باب مغلق حكمًا على مستقبلنا. وقد تكون خطوتنا التالية مراجعة خطة، أو تعلّم مهارة، أو تجربة طريق آخر.

فلنسعَ إلى أرزاقنا بجدّ، ولنحفظ في الطريق أخلاقنا وصحتنا وحقوق من نحب. فالنجاح الذي نرجوه ينبغي أن يتسع لحياتنا، وأن يترك لنا وقتًا نستمتع فيه بثمرة تعبنا.

وفي غَمْرة انشغالنا بما نريد، لنسأل أنفسنا: هل نسعى إلى رزق يعيننا على الحياة، أم نستهلك الحياة كلها في ملاحقته؟ لنسعَ، ولكن لنتأمّل أيضًا ما أكرمنا الله سبحانه به من صحةٍ ومالٍ وراحةٍ وطمأنينة؛ فهذه نعمٌ تستحق الشكر، وقد تُنسينا اللهفةُ على ما ينقصنا قيمةَ ما بين أيدينا. ولنتذكّر أن لنا في الطريق حياةً تستحق أن تُعاش، وأحبةً يستحقون حضورنا، وأيامًا لن تعود. فلا نؤجّل الحياة حتى نبلغ ما نريد؛ فقد نصل، وقد مضى العمر الذي أردنا أن نفرح فيه بالوصول.