آخر تحديث: 14 / 10 / 2026م - 11:14 م

هربٌ للخيَال

قراءةٌ في ديوان «خروجٌ أخيرٌ من غابةِ الليل» للشاعرِ عبد الله بيلا

محمد الحميدي * مجلة اليمامة

التجريبُ في الشعر لا يتوقَّف، إذ ثمَّة مساحة متاحةٌ في ظل التداخُل والتلاقي، فالقريةُ الكونية ترفع التنافُس بين الشعراء، وتدفعُهم لمجاوزة أسلافهم ومعاصرِيهم، حتى تغدو همًّا يحمله كلٌّ منهم، وهو ما يتبدَّى في ديوان ”خروجٌ أخير من غابة الليل“ للشاعرِ عبد الله بيلا، الذي يقاربُ القصيدة، ويمهِّد لها بالنثر، قبلَ أن يصلها ببقيةِ القصائد، ضمن تسلسلٍ داخلي يكشف عن علاقةِ الشاعر بالحب، ودوره في تجاوزِ الصعوبات، وعن علاقةِ الشعر بالوهم، ودوره في كشفِ الحقائق والمخفيَّات.

بناءٌ فني جمع بين وحدةِ الديوان وتعدُّد الموضوعات، إذ وضعَ مقدمات نثريَّة سبقت القصائدَ ذات الموضوعاتِ المشتركة، مع وصلِها بما قبلها وخصوصاً القصيدة الأخيرة، وبهذا اكتملَ البناء وتماسك، وابتعدَ عن الفوضى والتشظِّي.

بدأَ الديوان بمقدِّمة نثرية زعمت أنه صوتُ المحرومين، الذين لا يستطيعونَ التعبير عن مشاعرهم: ”إلى كلِّ أولئك الذين فقدوا حقَّهم في الكلام.. هذهِ النصوص تحاولُ أن تتكلَّم عنكم، وتتأسَّف من أجلكم“.

انقسم الديوانُ إلى أربعة أقسام، تظهرُ من خلال الاستمرارِ في القراءة، إذ المقدمات النثرية لها وظيفتانِ فنية ودلالية، فالفنية تتمثَّل بكونها فاصلاً بين الأقسام، ورابطاً لها في الوقت نفسه، بينما الدلالية تتمثَّل بمشاركتها في صناعةِ المعنى وتكريسه.

القسم الأول: حديثٌ عن الحب والأنثى ومشاكلِ الدنيا، وأن النَّجاة لا تتحقق إلا بواسطتهِ: ”رُوحك صحراء ظامئة تلتذُّ ارتشاف السراب، ولا تكاد تشفي غُلتها منه، هذا ما همسَت به الريح في ذاكرتك، أو ربما ما ظننتَ أنها قد همسَت به... بينما ترفع أنت في جلَدٍ عابثٍ أسوار انتظاراتك المرهِقة“.

الحبُّ أمنية البشر الحالمين؛ لهذا مجَّدته القصائد وأعلَت من شأنه، إذ تراه الخلاصَ من بؤسِ الحياة ”آخر وصايا الحب“: "تباركتَ يا أيها الحبُّ

زدني اقتراباً إليكَ

وباعد خُطايَ البريئةَ

عن كل دربٍ

ستخطو إليه الضغائنُ

فالأرضُ يا أيها الحبُّ ضاقتْ عن الحُبِّ

والحُبُّ

أوسعُ من أن يضيقَ عليه المدى

والجهاتْ"

يعملُ الحب على إعادةِ تشكيل مفردات الحياةِ وتفاصيلها، فالأبوابُ والنوافذ والشُّرفات ليست هي الحقيقة، فالحقيقةُ ما يكتشفه المحبُّ بقلبه ويعيد تشكيلهُ بمشاعره ”عتبات ماطرة“: "حدثيني كثيراً

عن البيت والباب والنافذة

عن الرفات البعيدةِ

والعتبات القديمةِ

إذ يعبرُ الزمنُ اللا نهائيُّ منها

يمرُّ بها

ويريحُ عليها

خيال انتظاراته المتعبة"

ليُعيدَ في مقطع لاحقٍ تشكيل التفاصِيل: "قلتُ:

ما البيتُ

ما البابُ

ما النافذة؟

ما الطريق إليها؟

وما العتباتُ الحزينةُ؟

ما الشرُّفاتُ الوحيدةُ والعابرةُ؟"

فيأتي الجواب راسماً أبعادها وعلاقاتها النفسيَّة والواقعيَّة: "حدثيني

ولو بجلال السُّكوت الفصيح

عن البيت

والباب

والنافذة

وعن آخر الشُّرفات التي رشفتها الغيوم على مهَلٍ

في مقاهي السماء البعيدة"

القسم الثاني: حديثٌ عن العلاقةِ بين الشعر والشاعر، ونظرةِ كل منهما إلى الآخر، بعيداً عن فضول الجمهور ومحاولته كشفَ الأسرار والخبايا: ”ما الذي يمكنُ للشاعر أن يهمسَ به للشعر، ما الذي يمكنُ للشعر أن يوحيَ به إلى الشاعر، وقد عريا تماماً في هذه اللحظة من سلطةِ الوسيط، الذي ما فتئَ يرتدي قناع الجمهور، ويغريهما بالتصفيق، كي يواصلا معاً لعبة الكلمات المتناحرة؟“

تقاطعَ التمهيد مع القصيدةِ الأخيرة في القسم الأول، التي مثلت جسراً يصل بينهما ”ظلال لخطى الأشباح المنسية“: "أيُّ شموع ستعرِّيكَ

وتمنحُ ظلَّك معنًى

حين يشيخُ الدهر

وتُنسى في العتَمات؟"

الشعرُ يلامس القلوب ويعيدُ هندسة النفوس، ينتقلُ من أقصى العالمِ إلى أقصاه، يَشفي الأرواح ويُلهم العقول، إنه سرُّ الأسرار ومعجزةُ الحياة ”معجزة“: "معجزةٌ

لا يمكن أن تفهمها أبداً

كيف لشعرٍ تكتبه منعزلاً

في غربةِ هذا العالمِ

أن يلمسَ برهافة سحرِ المعنى

قلباً آخرَ

مغترباً في أقصى العالمِ

حتى يشعرَ / تشعرَ

أنكما المكتوبُ

وأنكما

الكاتب"

ينتهي القسمُ الثاني بقصيدة توطِّد العلاقة مع القسمِ الثالث وتمهِّد له، إذ تبرز الحَيرة والقلَق من اختلال الحقيقةِ وامتزاجها بالوهمِ والزيف؛ حتى تغدو الحياةُ أقرب إلى ”متاهة“ وانفلات ”آخر الشعراء“: "آخرُ الشعراءِ

على هذه الأرضِ

يجلسُ في ركنِ غربتهِ

حائراً..

قلقاً..

ويفكّر في غرضٍ

صالحٍ للكتابة"

القسم الثالث: حديثٌ عن الوهم في الأفكارِ واللغة، فالمرءُ يلاحقها بلا جدوى، إذ تفلتُ منه ولا يمسكها، بل هي من تدخلهُ عالمها المتشظِّي: ”تنفتح القصيدة على أزمانكَ المؤجلة، وهي تجرجر الكلماتِ خلفها، من متاهةٍ إلى أخرى، دون أن تجدَ خارطةً للخروجِ الأخير من تساؤلاتك وحيرتك وتشظياتك..“.

الهروبُ من الحيرةِ والتشظي ”خروجٌ أخير من غابةِ الليل“، حيثُ الغابة أصلُ الوجود ومنبعُ الحياة، فالهرب منها هربٌ إلى الخيال؛ لتتساوى الحقيقةُ والوهم، ويغدو الزمنُ بلا تأثير، إذ كما تتساوى الأزمنةُ تتساوى الأمكنة، ويظلُّ الهدف محاولة فهمِ الروح وإدراكِ أبعادها ”زمن مؤجل في الروح“: "وحيداً مضيتُ

ولكنني لستُ وحدي

معي الذكرياتُ التي رافقتني

معي اللحظاتُ التي صادقتني

...

لم أكترث أبداً

بالفخاخ التي نبتت فجأةً في خيالي

أراوغها مثل ذئبٍ عجوزٍ

يضيّع حكمته

كلما ختلته الطريدةُ

يرفع للوهم قامته ثم يعوي

ويفتل خيط انتصاراته

ويؤوب إليها وحيدا"

ليأتي الختامُ: "وحيداً

سأقطعُ هذي الحياة

إلى حيث شاءت لي الوحدةُ الصادقة"

ينتهي القسمُ الثالث بقصيدة تعبِّر عن شكٍّ واضطراب شديدين، حيثُ الحقيقة لا يمكنُ الإمساك بها أو تحديدها، تكشفُ أن الوحيد لا يمثِّل ذاته، بل يمثِّل العالم ”ملَك عابر“: ”وقد يكون شاعراً / وقد يكون عاشقاً / وقد يكون من هواة النقش والرسم على حائط هذا العالم الساخر / وقد يكون طالباً / وقد يكون حارساً / وقد يكون ما يشاء أن يكون“.

القسم الرابع: حديثٌ عن صمود الحقيقةِ وبقائها، رغم صعوبة الحياةِ وقساوتها، إذ اللحظةُ الراهنة مشوهةٌ وعبثية؛ لذا ينبغي على الشعرِ أن يعيد تصحيحَ الزمن وإعادةَ تشكيل الأشياء: ”نصرخُ، لا لنعلن عن الألم، أو نلعنَه، فالألم هو مادةُ أرواحنا الأصيلة، بل نقول لمن استأثرَ بكل أقلامنا ودفاترِنا، إننا ما زلنا هنا بالفعل صامِدين... نحن الخارجونَ من قمصان التاريخِ عرايا كما ابتكرتنا الأزمِنة“

”التأمُّل“ أضحى فعلاً ملحًّا وضروريًّا لاكتشاف الحقيقة، حيثُ الوهم والزيف بحاجة إلى فضح؛ لهذا رحل بحثاً عنها ”وقت مضاء“: "وقتٌ مضاءٌ

بالتأمل في ثقوبِ العمر

...

كي أرى

ما لا يراه الآخرونَ

العابرون على حُطامي"

لينتهيَ الرحيل إلى أحدِ أمرين: "لأدركَ غاية الترحال

أو..

يمتدُّ بي سفري المهشَّم في عظامي"

تمتدُّ الرحلة ولا يتوقَّف، بل يصرخُ ”ارفعوا عالياً.. عالياً أسوار حديقتكم“؛ من أجل حمايةِ الحقيقة وحفظها من الاختِفاء ”هبوط ليلي مكرر“: "كعادتها تهبط الآن هذي العيونُ

بجبِّ الليالي العميق

فيمتدُّ هذا الظلام / الرحيل

إلى أبدٍ سابح في سواد العيون التي شحُبت

وتثاءب فيها الكرى

واشتهت طيف إغفاءةٍ عابرة"

معَ نهاية القصيدة ينكشفُ المعنى وتتَّضِح الدلالة، إذ يحاولُ حماية الحقيقةِ التي وصل إليها بعد أن مرَّ برحلة مؤلمة، عبرَ خلالها من ”عَتمة“ الشكِّ إلى ”نورِ“ اليقين، حيث ”الحبَّ“ وحده قادرٌ على علاجِ القلوب وشفاءِ النفوس.