آخر تحديث: 16 / 10 / 2026م - 12:07 ص

تعلم متى ترحل

سوزان آل حمود *


في مسرح الحياة الواسع، لسنا مجرد ممثلين نؤدي أدواراً أُمليت علينا، بل نحن المخرجون لصنوف حكاياتنا ومصائرنا. ولعل أقوى أدوات الإخراج الذاتي وأبلغها أثراً في نحت الهوية الشخصية هما كلمتان صغيرتان في حجمهما، عميقتان في معناهما: ”لا“ و”نعم“.

إن القدرة على قول ”لا“ بملء الفم وفي وجه الرياح العاتية ليست مجرد رفض عابر، بل هي حراسة مقدسة للحدود الداخلية، وإعلان صارخ بأن النفس صرحٌ لا يملكه إلا صاحبه. وفي المقابل، فإن قول ”نعم“ في توقيتها الصحيح هو بصمة التزام وفتحٌ لأبواب الفرص والنمو.

الميزان الحقيقي لبناء شخصية قوية، واثقة، وناضجة، يكمن في دقة المعايرة بين الاثنتين فكل ”نعم“ تمنحها في غير محلها لشخص أو مكان لا يستحقانك، هي في الحقيقة ”لا“ قاسية وموجعة توجهها لنفسك ولوقتك ولمقدراتك. ومن هنا تبدأ رحلة الوعي الحقيقي، حيث تدرك متى تتوقف عن الاستنزاف، وتتعلم أعظم فنون السلام النفسي: فن الرحيل.

الوطن الحقيقي للإنسان هو سلامُه الداخلي، وحين يتحول المكان أو الشخص إلى ساحة حرب خفية تلتهم الطاقة، وتفرغ الروح من بهجتها، يصبح البقاء شكلاً من أشكال الانتحار البطيء.

ليست كل الأماكن صالحة للبقاء، وليست كل البيئات حاضنة للنمو. حين تجد نفسك في مساحة تجردك من شغفك، وتخنق تطلعاتك، وتحاصرك بنظرات الإحباط والجمود، فاعلم أن جذورك لا تنتمي لهذه الأرض. البقاء في بيئة سامة يعادل محاولة تنفس غازات محترقة فالنجاة هنا ليست جبناً ولا هروباً، بل هي شجاعة استباقية تعلن فيها أنك تستحق سماءً أوسع وهوائاً أنقى.

في رحلتك، ستلتقي بأرواح تتغذى على استنزاف طاقتك الإيجابية، أشخاص يتقنون فنون الاستفزاز والتقليل من الشأن، يمتصون حماسك ويتركونك رماداً. هؤلاء لا دواء لجدالهم، ولا فائدة تُرتجى من محاولة تغييرهم. إن التعامل معهم يشبه محاولة ملء دلو مثقوب مهما بذلت من جهد وعطاء، سيبقى الجهد هباءً منثوراً. هنا تحديداً، يأتي دور القرار الحاسم.

العطاء الفكري والإنساني نبيل، لكنه كالبذر إن ألقيته في أرض سبخة لا تقبل الإنبات، ضاع الجهد وسُكب الماء في غير مصبه.

• متى تقول نصيحتك؟

• قلها بصدق وأمانة حين ترى قابلة للخير، أو حين يُطلب منك الرأي، أو إبراءً للذمة أمام الله وأمام نفسك.

• ومتى ترحل دون التفات؟

• إذا قدمت النصيحة بإخلاص، وقوبلت بالتعنت، أو الاستهزاء، أو الاستفزاز المتعمد. حينها، إياك أن تضيع وقتك في الجدال العقيم ألقِ كلمتك الطيبة، وارحل مرفوع الهامة، دون أن تلتفت للوراء. إن التحرر من رغبة إثبات وجهة نظر لمن لا يريد أن يفهم هو أقصى درجات النضج العقلي.

ختامًا

الرحيل الواعي ليس نهاية المطاف، بل هو الميلاد الحقيقي لذاتك الأبيّة التي أدركت أين تضع قدميها، ومتى ترفعها. إنها دعامة أساسية لإنشاء كيان إنسان صلب من الداخل، لين وعميق في آن واحد.

وقبل أن تطوي هذه الصفحة، أترك بين يديك هذه التساؤلات العميقة لتخلو بها مع نفسك:

• كم مرة قلت ”نعم“ وأنت تشعر في أعماقك بأنك تريد أن تصرخ بـ ”لا“ مدوية؟

• إلى متى ستبقى تحارب في معارك لا تخصك، وتصلح بيئات أُسست لتخريب سلامك؟

• ما هي الكلفة الحقيقية التي تدفعها يوماً بعد يوم نظير بقائك في أماكن لا تُقدّرك وأشخاص لا يستحقون نبضات قلبك؟

• ومتى تدرك أخيرًا أن الرحيل عن ما لا يناسبك، هو أصدق وأجمل هدية تقدمها لنفسك؟