ما تصنعه الكلمة
ظل موعد الحفل قائمًا، فحملت أمتعتي وغادرت المنطقة الشرقية إلى الرياض، كما كان مخططًا، للمشاركة في مناسبة ثقافية تحتفي بالأدب والمبدعين.
لم أكن أعرف، وأنا أعبر المسافة، أن الرحلة ستقودني إلى سؤال يتجاوز المناسبة: ماذا تعني الثقافة في حياة الإنسان؟
في شوارع الرياض، مضت المدينة بإيقاعها المعتاد. وحين بلغت مركز الملك فهد الثقافي، بدا المبنى من الخارج ساكنًا، كأن جدرانه تحتفظ بسر ما ينتظر خلف أبوابها. لكنني ما إن دخلت حتى وجدت المقاعد ممتلئة، والأدباء والمثقفين قد اجتمعوا للاحتفاء بالكلمة، في حفل جمعية الأدب المهنية لتكريم المبدعين والفائزين بجائزتها في دورتها الأولى، برعاية وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود.
استوقفني التباين بين هدوء المكان وحيوية ما يجري في داخله. لم يكن اجتماع الحضور مجرد مناسبة للتكريم وفيه أدركت أن الثقافة ليست ترفًا نؤجله إلى حين تفرغ الحياة من مشاغلها، بل إحدى الأدوات التي نصون بها وعينا. فهي تعين الإنسان على فهم ما حوله، وتمييز الحقيقة من الشائعة، ومقاومة التضليل دون أن يستسلم للاندفاع.
تتجلى قوة المجتمعات في وعيها ومعرفتها وقدرتها على البناء؛ فالمعرفة توسع الآفاق، والتفكير المتزن يعزز حسن الاختيار، والكلمة المسؤولة تسهم في ترسيخ القيم الإيجابية، وتمنح الإنسان قدرة أكبر على الفهم والحوار.
الكلمة قوة، وميدانها الوعي. فهي تسهم في بناء الإنسان وتعزيز مسؤوليته، إذ تمنحه القدرة على التحقق قبل النشر، والفهم قبل الحكم، والتريث حين تتعدد الآراء وتتسارع المعلومات.
وحين تابعت تكريم المبدعين والفائزين، رأيت في الاحتفاء بالأدب تقديرًا لذاكرة الوطن، وللجهود التي تحفظ لغته وتجربته وأسئلته.
عدت بذاكرتي إلى بداية الرحلة: موعد انتظرته، وطريق قطعته، ومقاعد ممتلئة، وأمسية جمعت محبي الأدب والثقافة.
كان المشهد شاهدًا على أن الحياة تتسع للمبادرات الثقافية، وأن الإبداع يجد مكانه حين تتاح له المساحة، وأن المجتمعات تنمو بما تمنحه للمعرفة والأدب من اهتمام وتقدير.
فالثقافة ليست ترفًا، بل نافذة يطل منها الإنسان على ما يستحق أن يعيش من أجله، ومساحة يكتشف فيها المعاني، ويتأمل التجارب، ويعيد النظر في الأشياء من حوله.
انتهى الحفل، لكن الأبيات التي استهلّ بها الحفل لم تغادرني. ظللت أبحث عنها، وأستعيد كلماتها:
ولي وطنٌ طموحٌ كم تربّى على كفّيهِ للدنيا سلامُ
أحبّ المجدَ حتى اخضرَّ مجدًا فمن باللهِ في عشقٍ يُلامُ؟
سعوديونَ نسقي الأرضَ عزًّا فيروى من فعائلنا غمامُ












