آخر تحديث: 21 / 10 / 2026م - 1:40 ص

حين تمرّ التسعون خجلى أمام محمد العلي

نزار المصطفى


ليس من السهل أن تكتب عن محمد العلي، ولا أن تختصر حضوره في كلمات مهما اتسعت دلالاتها، لأننا لا نتحدث عن عمرٍ امتد حتى التسعين فحسب، وإنما عن روح استطاعت أن تعبر هذه السنوات دون أن تفقد دهشتها الأولى، وعن عقل ظلّ يقظاً في زمنٍ كثيراً ما استسلم فيه العقل للجاهز والمألوف، وعن إنسان جعل من الشعر والمعرفة طريقاً إلى رؤية العالم على نحوٍ مختلف. وحين يكتب الشاعر الرقيق عبد الوهاب أبو زيد هذه الأبيات في أستاذنا الأكبر، فإنه لا يقف عند عتبة العمر ليحصي سنواته، بل ينفذ إلى ما وراءها، إلى ذلك السر الذي يجعل بعض الناس أكبر من أعمارهم في أثرهم، وأصغر منها في أرواحهم، وأبعد منها في قدرتهم على تجديد الحياة في نفوس الآخرين.

«تمرُّ بك التسعون خجلى كأنها
تمرُّ على نبعٍ أبى أن يُكدَّرا»

أيّ صورة أبلغ من أن تمرّ التسعون خجلى أمام محمد العلي؟ كأن الزمن، وهو يستعرض سلطانه على البشر، يجد نفسه أمام روح لا يستطيع أن يدّعي أنه انتصر عليها. والنبع هنا ليس استعارة للصفاء وحده، بل هو صورة للتجدد والعطاء؛ فالماء لا يستمد حياته من بقائه ساكناً، وإنما من قدرته على الجريان. وهكذا يبدو أبو عادل، لم تمنعه السنوات من أن يظل منبعاً للفكر، ومثاراً للأسئلة، ومصدراً لدهشة لا تنطفئ. إن العمر يمضي، لكن هناك شيئاً في الإنسان لا ينبغي أن يمضي معه، شيئاً اسمه شغف الحياة، وحرية العقل، وفتوة الروح.

ويمضي عبد الوهاب أبو زيد في رسم هذه الصورة، فيرى في ذهن أستاذنا وقّادةً لا يخبو وهجها، وفي روحه أنهاراً تجري حتى فوق الأرض الجديبة، وفي قلبه طفولةً ما زالت معلقة بكل جمال. وهذه، في ظني، ليست صفات متفرقة جمعها الشاعر ليصوغ مديحاً جميلاً، بل هي وجوه لحقيقة واحدة: أن محمد العلي لم يسمح للمعرفة أن تتحول إلى يقين مغلق، ولا للتجربة أن تصبح حاجزاً بينه وبين الدهشة، ولا للسنوات أن تسلبه القدرة على الإصغاء إلى العالم كأنه يراه للمرة الأولى. فثمة فرق بين من تتراكم لديه السنوات، ومن تتراكم في داخله الحياة؛ وبين من يعرف الكثير فيطمئن إلى ما يعرف، ومن يزداد معرفةً فيزداد شعوراً بأن أمامه ما يستحق السؤال والاكتشاف.

لكن القصيدة تبلغ عمقها الأبعد حين تنتقل من صفات الممدوح إلى أثره في الآخرين:

«فأنت الذي علمتنا رغم عتمةٍ
أحاطت بنا في غمرةِ الجهلِ أن نرى»

هنا نخرج من دائرة الإعجاب بإنسان إلى دائرة الامتنان لمعلمٍ أسهم في تشكيل وعينا. فمحمد العلي لم يعلمنا أن نعرف فحسب، بل علمنا أن نرى؛ والرؤية ليست امتلاك المعلومات، وإنما القدرة على النفاذ من ظاهر الأشياء إلى حقائقها، ومن الكلمات إلى ما تخفيه أو تكشفه، ومن المألوف الذي يستريح إليه العقل إلى الأسئلة التي توقظه من سباته. وهذه منزلة لا يبلغها كل صاحب معرفة، لأن المعرفة قد تبقى حبيسة صاحبها، أما البصيرة حين تنتقل إلى الآخرين فإنها تصبح أثراً يتجاوز عمر صاحبها وحضوره.

ولعل هذا ما يجعل قول الشاعر إنه علّمنا الشعر أكثر دلالةً مما يبدو لأول وهلة. لم يكن الشعر عند محمد العلي كلاماً موزوناً، ولا جمالاً لغوياً معزولاً عن الحياة، بل كان طريقةً في النظر، ووسيلةً لاكتشاف الإنسان والعالم، وحريةً في مواجهة القبح والتزييف. لقد علّمنا أن نقترب من القصيدة بالقلب والعقل معاً، وأن نبحث في جمالها عن حقيقتها، وفي كلماتها عن المعنى الذي لا تمنحه القراءة العابرة. والشعر الذي أراده لنا أبو عادل، كما أفهمه، هو شعر لا يُباع ولا يُشترى؛ لأن الكلمة التي تفقد حريتها تفقد شيئاً من روحها، ولأن القصيدة التي تتنازل عن حقيقتها لا تستطيع أن تمنح قارئها تلك الحرية التي جاء الشعر ليوقظها فيه.

وحين يختم عبد الوهاب أبو زيد أبياته بصورة الشعر الهادر الشجي الأبي، فإنه لا يصف الشعر وحده، بل يكاد يرسم صورة محمد العلي نفسه؛ قوته في فكره، وشجنه في حساسيته، وإباؤه في استقلاله. وهنا تتعانق القصيدة مع صاحبها، فلا يعود المديح حديثاً عن صفات خارجية، وإنما يصبح شهادةً على تجربة إنسانية وثقافية تركت أثرها في الذين اقتربوا منها، وتعلموا منها كيف ينظرون، وكيف يقرؤون، وكيف يختلفون دون أن يتخلوا عن حقهم في التفكير.

إن أجمل ما في هذه الأبيات أنها لا تحتفل بالتسعين بوصفها رقماً بلغته الحياة، بل تحتفل بما استطاع محمد العلي أن يمنحه للحياة خلال هذه السنوات. فالأعمار تنتهي عند حدودها، أما الأفكار التي توقظ العقول، والقصائد التي توسع الرؤية، والأسئلة التي تظل حية بعد أصحابها، فتمضي إلى أعمار أخرى لا يعرف الزمن عددها.

ولذلك، حين تمرّ التسعون خجلى أمام أستاذنا الأكبر، فإنها لا تخجل من رقمٍ كبير، بل من روح لم تستطع أن تحاصرها، ومن عقل لم تتمكن من إطفاء أسئلته، ومن أثرٍ صار ملكاً لكل من تعلم منه أن يرى. وهذا، في تقديري، هو المعنى الأعمق الذي تتركه قصيدة عبد الوهاب أبو زيد في نفوسنا: أن الخلود ليس أن يطول عمر الإنسان، بل أن يظل ما أيقظه فينا من حياة قادراً على الاستمرار، حتى بعد أن تمضي السنوات، وتغيب الوجوه، ويبقى الأثر شاهداً على أن بعض الأرواح لا تقاس بالأعمار، وإنما بما تتركه في أرواح الآخرين.