آخر تحديث: 19 / 10 / 2026م - 12:32 ص

بين الحذر وفوات الفرص

عبد الله أحمد آل نوح *


بعض القرارات التي غيّرت حياتنا هي تلك التي لم نتخذها.

لا نتذكرها عادةً بوصفها قرارات. نقول: لم يكن الوقت مناسبًا، أو لم تتضح الصورة، أو لعلّها خيرة. وقد نكون محقين. لكن بين ما صرفناه عن اقتناع، وما تركناه خوفًا، مسافة تستحق أن نتوقف عندها؛ ففيها مشاريع لم تبدأ، وعلاقات لم تُصلح، وأعوام قضيناها نستعد لخطوة لم نخطُها.

الغريب أننا نحاسب أنفسنا على ما فعلناه أكثر مما نحاسبها على ما أجّلناه. من اشترى ثم خسر يستطيع أن يحدد خسارته، ويتذكر يومها، وربما ظل يسمع اللوم عليها سنوات. أما من بقي مترددًا حتى ضاعت الفرصة، فغالبًا لا يجد من يسأله عن شيء. خسارته لا تظهر في كشف الحساب، ولا تحمل تاريخًا واضحًا.

لهذا قد نخاف أن تُنسب الخسارة إلينا أكثر من خوفنا من الخسارة نفسها.

قد تبدو هذه العبارة قاسية، لكن لنتأمل كم مرة شغلنا سؤال: «ماذا سيقول الناس لو أخفقت؟» أكثر من سؤال: «هل هذه الخطوة مناسبة لي؟». وكم مرة ارتحنا إلى التأجيل لأنه يجنّبنا شرح موقفنا والدفاع عنه، مع أننا نعرف أن استمرار الحال له تكلفة.

الانتظار يمنحنا عذرًا مقبولًا اجتماعيًا. نستطيع أن نقول إننا ما زلنا ندرس، وإننا نتحرى، وإننا لا نحب الاستعجال. وهي أسباب وجيهة حين تكون صادقة ومحددة. لكنها تصبح مريحة أكثر مما ينبغي حين لا يسألنا أحد: ما الذي تنتظر معرفته؟ ومتى تنتهي دراستك؟

في التجارة، مثلًا، يمكن أن تقضي شهورًا في مراجعة مشروع، ثم تجد نفسك تعود إلى الأسئلة نفسها. هنا يجدر بك أن تتوقف: هل ينقصك رقم يمكن التحقق منه، أم أنك تطلب ضمانًا بأنك لن تندم؟ الرقم قد تحصل عليه، أما هذا الضمان فلن يقدمه لك أحد.

ولا يصح، في المقابل، أن نحاكم قرارات الأمس بمعرفة اليوم. ارتفاع سعر أرض لم نشترها لا يعني بالضرورة أننا أخطأنا، ونجاح مشروع اعتذرنا عن المشاركة فيه لا يثبت أننا كنا أقل بصيرة. قد تكون المخاطرة يومها أكبر من قدرتنا، أو المعلومات المتاحة غير كافية. كما أن الربح لا يجعل كل قرار سليمًا؛ فقد يربح المتهور، ثم يدفعه نجاحه الأول إلى خسارة أكبر.

المعيار الأعدل هو أن نسأل: هل أحسنّا النظر فيما كان متاحًا لنا؟ هل عرفنا ما نستطيع تحمّله؟ وهل اتخذنا موقفًا، أم تركنا الوقت يختار عنا؟

وتظهر المشكلة بصورة أوسع في بيئة العمل. حين يُسأل الموظف عن خطأ ارتكبه، ولا يُسأل عن مصلحة عطّلها، فقد يتعلم أن التأجيل أكثر أمانًا له. يتنقل الملف بين المكاتب، ويحرص كل طرف على اكتمال ما لديه، بينما يتحمل صاحب المصلحة تكلفة الانتظار. لذلك تحتاج المسؤولية إلى ميزان يرى ضرر التعطيل، كما يرى ضرر القرار الخاطئ.

لكن الدعوة إلى الحسم لا تعني دفع الناس إلى المخاطرة بما لا يحتملون فقده. من يجرّب بفائض ماله يختلف عمن يضع استقرار أسرته كله في تجربة واحدة. وبعض الفرص يكون تركها هو القرار الأنضج. لسنا مطالبين بإثبات شجاعتنا في كل فرصة تُعرض علينا، ولا بمجاراة من تختلف ظروفهم عن ظروفنا.

ما نحتاجه هو أن ينتهي الحذر إلى موقف واضح. الرفض بعد دراسة يريحنا، ويتيح لنا توجيه جهدنا إلى شيء آخر. أما إبقاء الخيارات معلقة فيرهقنا؛ فلا نحن مضينا فيها، ولا نحن تحررنا منها.

وقد يساعدنا أن نخفف حجم الخطوة بدل أن نؤجلها كلها. نجرّب المشروع على نطاق محدود، أو نقسم الالتزام إلى مراحل، أو نستشير في نقطة محددة بدل إعادة مناقشة الأمر من بدايته. كثير مما يبدو مخيفًا يمكن الاقتراب منه تدريجيًا، مع بقاء القدرة على التوقف والتصحيح.

وفي حياتنا اليومية فرص أبسط، لكنها ليست أقل أثرًا. اتصال نؤجله لأن بيننا وبين صاحبه عتبًا، واعتذار ننتظر له مناسبة، ورغبة في التعلم نقول إن وقتها سيأتي. لا نشعر بما نفقده يومًا بيوم، ثم نفاجأ بأن المسافة اتسعت، أو أن الحماس انطفأ، أو أن الشخص الذي أردنا الحديث إليه لم يعد موجودًا.

هنا يصبح السؤال عن الانتظار أكثر إلحاحًا: ماذا نرجو أن يتغير من تلقاء نفسه؟

لا أحد يملك عمرًا يكفي لتجربة كل طريق، ولا حكمة تعصمه من كل خطأ. سيظل في قراراتنا قدر من عدم اليقين، وسنتحمل أحيانًا نتيجة لم نتمنّها. لكن بوسعنا أن نمنح التفكير حقه، ثم نتحمل مسؤولية الاختيار، دون أن نجعل الخوف من اللوم يدير حياتنا.

حين نقول: «ليس الآن»، ينبغي أن نعرف ما الذي سيجعل الغد مختلفًا.

وإلا فقد نكون نقول: «لن أفعل»، ولكن بطريقة تعفينا من مواجهة أنفسنا.

عضو مجلس المنطقة الشرقية ورجل أعمال