آخر تحديث: 19 / 10 / 2026م - 11:37 م

معارض التوظيف فرص للعمل أم منصات للإعلان؟

الدكتور ماهر آل سيف *


حين تُقام معارض التوظيف، تتوافد إليها الكفاءات، وتتزاحم فيها الطموحات، ويحضر الشباب حاملين شهاداتهم وآمالهم، باحثين عن فرصةٍ تحفظ كرامتهم، وتؤمّن مستقبلهم، وتفتح أمامهم أبواب الحياة. وفي المقابل، تتنافس الشركات على أجمل الأجنحة، وأفخم اللوحات، وأبهى الشعارات؛ ولكن يبقى السؤال الذي يستحق الوقوف والمراجعة: كم وظيفة عُرضت؟ وكم طلبًا قُبل؟ وكم شابًا وُظّف؟ وكم حلمًا تحقق؟

ليس الاعتراض على معارض التوظيف، بل على غياب الشفافية في إعلان نتائجها؛ فالتوظيف ليس احتفالًا بالصور والشعارات، ولا استعراضًا للأسماء والعلامات، وإنما مسؤولية وطنية واقتصادية واجتماعية، تُقاس بالفرص والإنجازات، لا بالحضور والمجاملات.

فما جدوى أن تجمع الشركة مئات السير الذاتية، ثم تُحيل المتقدمين إلى موقعها الإلكتروني، دون إعلان واضح عن الوظائف الشاغرة، أو أعدادها المتاحة، أو رواتبها المتوقعة، أو المدة المحددة لإعلان نتائجها؟ حتى يصبح الباحث عن العمل بين انتظارٍ بلا بيان، وأملٍ بلا ضمان!

ومن هنا يبرز مقترح اقتصادي وتنظيمي يستحق الدراسة والاهتمام، وهو أن تكون وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية المرجع الوطني الموحد لإعلان الوظائف واستقبال طلبات التوظيف ومتابعة نتائج التعيين، لا في معارض التوظيف وحدها، بل في جميع وظائف القطاع الخاص، وفق تنظيم متدرج يراعي احتياجات الشركات وطبيعة الأعمال.

فالشركة التي تحتاج إلى موظف تعلن حاجتها عبر المنصة الوطنية، وتحدد المسمى الوظيفي، والمؤهلات المطلوبة، والخبرات اللازمة، والراتب أو نطاقه، وموقع العمل. ويتقدم الباحثون عن الوظائف عبر المنصة ذاتها، بينما تحتفظ الشركة بحق المفاضلة والمقابلة واختيار الأكفأ، تحت مظلةٍ تنظيمية تحفظ الحقوق، وتكشف النتائج، وتمنع التلاعب بالبيانات.

ولدينا في المملكة بنية رقمية متقدمة يمكن البناء عليها؛ فمنصة «جدارات» تخدم التوظيف، ومنصة «قوى» تدعم تنظيم سوق العمل وتوثيق العقود. والتكامل بين المنصات والجهات المعنية يمكن أن يؤسس لمنظومة وطنية متكاملة، تبدأ بإعلان الوظيفة، وتمر بالترشيح والمقابلة، وتنتهي بالتعيين الفعلي ومتابعة الاستقرار الوظيفي.

وهنا تتحقق خمسة مكاسب اقتصادية وتنظيمية مهمة:

أولًا: الشفافية في التوظيف. فلا إعلان بلا وظيفة حقيقية، ولا تقديم بلا رقم مرجعي، ولا طلب يبقى مجهول المصير دون تحديث، مع توثيق أعداد المتقدمين والمقبولين والمعتذر لهم، وإصدار تقارير دورية تكشف حقيقة الفرص والإنجازات.

ثانيًا: تعزيز التوطين الحقيقي. فحين ترتبط الوظائف المعلنة بالعقود والتأمينات الاجتماعية واستمرارية الموظف في عمله، يصبح بالإمكان رصد التوظيف الفعلي، والتمييز بين التوطين المستقر والتوظيف المؤقت، واكتشاف أنماط التعيين والفصل المتكرر التي تستدعي المراجعة والتدقيق.

ثالثًا: حماية الكفاءة الوطنية. فالأولوية للكفاءة السعودية المؤهلة وفق الأنظمة، مع المحافظة على حق المنشآت في اختيار الأنسب، وتحديد المهارات التي يحتاجها السوق، وتوجيه برامج التدريب والتأهيل لسد الفجوات بدلًا من استمرار الشكوى من نقص الكفاءات.

رابعًا: رفع كفاءة الإنفاق الاقتصادي. فبدلًا من تكرار الإعلانات، وتعدد المواقع، وضياع الطلبات، تتوافر قاعدة بيانات وطنية تساعد على سرعة الوصول إلى الكفاءات، وتخفيف تكاليف الاستقطاب، وتقليص فترات الشواغر، ورفع إنتاجية المؤسسات.

خامسًا: قياس نجاح معارض التوظيف. فلو شاركت خمسون شركة في معرض واحد، واستقبلت كل شركة مئتي طلب، فهذا يعني عشرة آلاف طلب توظيف. ولكن ماذا لو انتهى المعرض دون معرفة عدد الوظائف الفعلية؟ أما إذا أعلنت الشركات خمسمئة وظيفة، وتم تعيين أربعمئة موظف، فإن نسبة شغل الوظائف المعلنة تبلغ 80%، وتصبح لدينا نتائج قابلة للقياس والمقارنة والتطوير، بدلًا من الاكتفاء بأرقام الحضور والتصوير.

وهنا ينبغي ألا يُسمح بأن تتحول معارض التوظيف إلى منصات ترويجية تحمل مسمى التوظيف دون فرص معلنة، بل يكون من شروط المشاركة الإفصاح عن الوظائف المتاحة، وتقديم تقرير لاحق عن نتائج التعيين، مع حفظ خصوصية المتقدمين وسرية بياناتهم.

أما الشركات التي ترغب في المشاركة لأغراض التعريف والتسويق فقط، فلها ذلك ضمن فعالياتها المناسبة، ولكن دون الخلط بين الإعلان التجاري والتوظيف المهني.

والأهم أن تشمل المنظومة جميع الشواغر الجديدة التي يحددها التنظيم، سواء كان التعيين مباشرًا أو عبر إعلان عام، حتى لا تصبح بعض الوظائف خارج نطاق المتابعة، ولا تتحول الرقابة إلى إجراءات شكلية تكتمل على الورق وتغيب عن الواقع.

إن القضية أكبر من مجرد تنظيم التوظيف؛ إنها قضية اقتصاد وطن، واستقرار أسرة، ومستقبل جيل. فكل مواطن ينتقل من البطالة إلى العمل المنتج يضيف قيمةً للاقتصاد، وقوةً للسوق، واستقرارًا للبيت، ومساهمةً في التنمية. وكل راتب يُنفق داخل الوطن يحرك تجارةً، ويدعم خدمةً، ويُنشّط منشأةً، ويخلق فرصًا أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وليس المقصود زيادة الأعباء الإدارية على الشركات، أو إبطاء قرارات التوظيف، بل بناء مسار رقمي موحد، سريع وشفاف، يجمع بين حرية الاختيار ومسؤولية الإفصاح، وبين كفاءة القطاع الخاص وفاعلية الرقابة الحكومية.

إن الوطن الذي يستثمر في تعليم أبنائه وتأهيل شبابه، جدير بأن يمتلك منظومةً تتابع انتقالهم من مقاعد الدراسة إلى ميادين العمل، فلا تضيع الكفاءات بين إعلاناتٍ مبهمة، ولا تتبدد الطموحات بين طلباتٍ معلقة.

ولذلك فإن نجاح معارض التوظيف لا يُقاس بعدد زوارها، ولا بفخامة أجنحتها، ولا بكثرة أخبارها وصورها؛ بل بعدد من دخلوا إليها باحثين عن العمل، وخرجوا منها وقد فُتحت أمامهم أبواب الأمل.

فليكن شعار المرحلة: لا معرض توظيف بلا وظائف معلنة، ولا وظيفة معلنة بلا نتائج موثقة، ولا توطين يُقاس بالأرقام وحدها دون عمل حقيقي واستقرار وظيفي.

فالتوظيف ليس معرضًا تُرفع فيه الشعارات، بل مسؤولية تُصنع بها الإنجازات، وتُحفظ بها الكفاءات، ويزدهر بها اقتصاد الوطن.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
حسين علي
[ صفوى ]: 19 / 10 / 2026م - 11:22 م
أحسنت وأجدت دكتور