ثقل البلاء ورحمة الصبر

الابتلاءات ثقيلةٌ كالصخور، تجثو بثقلها على القلب، بل قد يفوق أثرُها في النفس ثقلَها ووزنَها. وقد يفقد الإنسان بسببها سعادته وبهجة أيامه، فتغدو أيامه معتمةً بلونٍ باهت، تغيب عنها ألوان الفرح والهناء.
ولكنّ الصخور، على قساوة تكوينها، لا تمنع الحياة من أن تتسلّل عبر شقوقها، فتنْبثق من بينها ينابيع الماء، وتتفتّح في ثناياها الأزهار.
فالصبر كالماء العذب البارد، يسقي زهرة إيمانك، ويمنحها الحياة من جديد، لتزهر أيامك رغم ما يعترض طريقك من صعوبات.
إنّ التحلّي بالإيمان والصبر في رحلتك الدنيوية، والثقة بأنّ وراء كل ابتلاء حكمة، وأنّ مع العسر يسرًا، يجعل القلب أكثر طمأنينةً، والنفس أكثر رضا، رغم صعوبة الأيام وثقلها.
فالحياة متقلّبة بين الشدّة والرخاء، وهذا التقلّب يستلزم منّا أن نستعدّ لابتلاءاتها بالتسلّح بدروعٍ حصينة، كالصبر والشجاعة واليقين بالله، والثقة بأنّ الله لا يضيع أجر الصابرين، وأنّه يبشّرهم بما أعدّ لهم من جزاءٍ كريم.
بل قد يرتقي الإنسان في منازل الصبر حين يُحسن التعامل مع البلاء، فتتحوّل معاناته إلى فرصةٍ لتهذيب النفس والارتقاء بها.
فلا يصرفه البلاء عن أداء واجباته وفرائضه، بل يكون أكثر قربًا من الله، وأشدّ خشوعًا في عبادته، مستمدًّا من صلته به قوّةً تعينه على مواجهة الشدائد، ويقينًا يطمئنّ به قلبه.
وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
فالصبر يحتاج منّا إلى مجاهدة النفس، ولا سيّما حين يكون الإنسان متألّمًا أو مبتلًى، إذ تتجلّى حقيقة الصبر في قدرته على الثبات، ومقاومة الجزع، وحفظ إيمانه وأخلاقه رغم ما يعتريه من ألم.
إنّ الابتلاءات تصحّح مسار الإنسان، وتعيده إلى فطرته السليمة التي قد يحيد عنها، فهي من دروس الحياة التي قد تتجلّى فيها ألطاف الله تعالى وحكمته، لتعيدنا إلى الرشد، وتهدينا إلى طريق الحقّ وصراطه المستقيم.
فقد نرى في ظاهر الابتلاء ألمًا ومشقّة، بينما تنطوي في باطنه حكمٌ ورحمةٌ وألطافٌ إلهية، تعيد الإنسان إلى الطريق السويّ، وتحول بينه وبين أن تعمي بصيرته مغريات الدنيا وملهياتها، أو أن ينشغل بها عن الهدف السامي من الخلق والوجود.
تامل في تفاصيل ايامك تجد الرحمة متجسدة في جميع جوانبة في أوقات الفرح والألم، فكلاهما يستلزمان منا الحمد والشكر لله تعالى.












