آخر تحديث: 22 / 10 / 2026م - 1:12 ص

أرجول الحمار

سراج علي أبو السعود *


يُروى أن مزارعًا دخل مسجدًا يتوسط بساتين النخيل ليصلي المغرب، فرأى شيخًا طاعنًا في السن يرمقه بابتسامة الأشرار. لم يكترث به، حتى إذا فرغ من صلاته وهمَّ بالخروج، التفت إليه، فإذا بإحدى رجليه «أرجول خروف»! وفي رواية أخرى «أرجول حمار»، ولعل الظلام حال دون تحديد نوع الحيوان! وفي حكاية أخرى، كان أهل بيت يتناولون البيض المخفوق «السكرامبل»، ويستمتعون بأغنية «بيبي متوه سقتني مرمرة»، وإذا باستكانة شاي تطير نحوهم من حيث لا يعلمون، فأيقنوا أن بيتهم مسكون بالجن والعفاريت! فهجروه، وأصبح البيت الذي لا يسكنه أحد لأنه مسكون! ولعل كثيرين يظنون أن حكايات «أرجول الحمار» والبيوت المسكونة من خصوصيات التراث القطيفي، غير أنها في الحقيقة قصص «إنترناشيونال»، لها نظائر تتناقلها أمم وثقافات شتى. ويبدو أن البشرية، رغم اختلافها في كل شيء تقريبًا، اتفقت على تزويد الأطفال بجرعة من الرعب قبل النوم، لئلا يناموا مطمئنين أكثر مما ينبغي!

لم يزل كثير من الناس يعانون من رداءة «الفلاتر الدماغية» التي يُفترض أن تحمي عقولهم من «أرجول الحمار» والبيوت المسكونة، ولذلك لا ينبغي أن نستغرب حين نجد أكاديميًا «مفلّقع الدنيا في الماث»، يحمل شهادة من ستانفورد أو إم آي تي، ثم يروي لنا بكل وقار مغامرات الجن والعفاريت في مسجد العابدات في الخباقة! وهنا تبرز إشكالية فلسفية تتعلق بالفارق بين التعليم والتفكير، وبين تراكم المعلومات ونضج العقل. فالإنسان يقضي سنتين في الروضة، واثنتي عشرة سنة في المدرسة، وأربعًا أو خمسًا في الجامعة، وربما يواصل إلى الماجستير والدكتوراه. أما طالب الطب، فيدرس من المهد إلى اللحد، وربما أوصى بدفن كتبه معه ليواصل التحصيل في العالم الآخر! ثم ماذا؟ هل تجعله كل هذه السنوات عاقلًا وناقدًا ومتخلّقًا؟ ليس بالضرورة! فثمة فرق بين المعرفة التي تخبرنا بما نعرف، والعقل النقدي الذي يمتحن ما نعتقد، والأخلاق التي تهذّب ما نفعل. وقد يتقن الإنسان حساب المسافة بين الأرض والمريخ، لكنه يعجز عن التمييز بين الحقيقة والخرافة! ولعل السؤال الأكثر إثارة ليس: كيف يصدق الجاهل الخرافة؟ بل كيف يستطيع عقلٌ أتقن مناهج البرهان في المختبر أن يعطّلها طواعيةً حين يغادره؟ فليست العبرة بمقدار ما نحشوه في عقولنا من معلومات، بل بقدرتنا على تمحيصها؛ إذ قد يتحول العقل، مهما علت شهادة صاحبه، إلى مستودع فاخر للخرافات، وربما كانت «أرجول الحمار» فيه حاصلةً على الدكتوراه مع مرتبة الشرف!

لا شك أن الجن والعين والحسد مما ورد ذكره في القرآن الكريم، ولا مجال لإنكار ما ثبت منه، ولكن المشكلة تبدأ حين نتخذ من الحقائق القرآنية أرضًا خصبة لزراعة آلاف الحكايات الخرافية التي لا سند معتبرًا لها، ثم نمنحها ختم التصديق لمجرد أنها تتحدث عن عالم الغيب! فالإيمان بالغيب شيء، والتصديق بكل حكاية تُروى عنه شيء آخر، وليس كل ما عجزنا عن تفسيره يستحق أن نمنحه إقامة دائمة في عالم الجن والعفاريت! إن انتشار هذه الحكايات يكشف عن قدرة التلقين والتكرار، قديمًا عبر المجالس والحكايات الشعبية، وحديثًا عبر وسائل الإعلام، على صناعة القناعات، حتى تغدو الخرافة الموروثة حقيقةً راسخة في أذهان مصدّقيها. ولذلك، فإن الأب الذي يحرص على تحذير أبنائه من المنكرات، حريٌّ به أن يحذرهم أيضًا من الإعلام الذي يصادر عقولهم ويعطّل ملكة النقد لديهم، وأن يعلّمهم السؤال عن الدليل قبل التسليم بكل ما يسمعون. وإلا فقد ينتهي به المطاف إلى توريثهم «أرجول الحمار» والبيت المسكون، وهو يظن أنه يحسن تربيتهم! وهكذا، قد يقضي الأب عمره في تعليم أبنائه كيف يقفون على أرجلهم، ثم يقضي أمسياته في إخافتهم من «أرجول الحمار»! ولكن، قبل أن نضحك على الذين صدّقوا تلك الحكايات، لعل الأجدر بنا أن نسأل أنفسنا: كم من «أرجول حمار» تسكن عقولنا نحن، ونحسبها حقائق لا تقبل النقاش؟!