آخر تحديث: 22 / 10 / 2026م - 1:12 ص

أنت لستَ قاضيًا على فكري ولا الأكثريةُ ميزانًا للحق

الدكتور ماهر آل سيف *


كتاباتي قناعاتي، وقناعاتي ثمرةُ علمٍ تعلّمتُه، وثقافةٍ اكتسبتُها، وتجاربَ عشتُها، وعقلٍ أعملتُه، وفكرٍ تأمّلتُه. ليست كلماتٍ ألقيتُها اعتباطًا، ولا أفكارًا ورثتُها انقيادًا، بل حصيلةُ بحثٍ ونظر، وتأمّلٍ وعِبَر. فإن خالفتُك في الرأي، فلا يعني أنني ضللتُ الطريق، ولا أنك امتلكتَ الحقيقةَ والتحقيق!

فمن عيّنك قاضيًا على عقلي؟ ومن منحك صكّ الصواب في فكرك، وصكّ الخطأ في فكري؟ ومن قال إن ما استقرّ في ذهنك يقين، وما استقرّ في ذهني وهمٌ وتخمين؟

قد تكونُ مصيبًا وأكونُ مخطئًا، وقد أكونُ مصيبًا وتكونُ مخطئًا، وقد نكونُ معًا على بعض الصواب، ونحتاجُ معًا إلى مزيدٍ من العلم وفتح الأبواب. فالعقلُ ليس معصومًا من الزلل، والعلمُ لا ينتهي عند أحدٍ من البشر، والحكمةُ ليست حكرًا على صاحبِ رأيٍ أو مذهبٍ أو أثر.

يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

فكيف تحكمُ على ما لم تُحِط به علمًا؟ وكيف تُدينُ فكرًا لم تفهم له أصلًا ولا فصلًا؟ وكيف تُصدرُ حكمًا قبل أن تسمعَ البرهان، وتستوعبَ البيان، وتعرفَ ظروفَ الإنسان؟

ناقشني ولا تُحاكمني، وحاورني ولا تُصادرني، وأقنعني ولا تُخضعني. اسألني عن دليلي قبل أن تتهمَ تأويلي، وعن مقصدي قبل أن تُسيءَ فهمَ مرادي. فلعلّ ما تراه خلافًا يكونُ اختلافًا في التعبير، ولعلّ ما تظنّه تناقضًا يكونُ اتفاقًا في الجوهر واختلافًا في التفسير.

وإياكَ أن تجعلَ من كثرةِ الأتباع برهانًا، ومن شيوعِ الأقوال ميزانًا، ومن مخالفةِ الجمهور عصيانًا! فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116].

فالحقُّ لا يُقاسُ بعددِ الواقفين في صفّه، ولا الباطلُ بعددِ المخالفين له. ليست الكثرةُ دليلَ هداية، ولا القلّةُ دليلَ غواية؛ فالحقُّ يُعرفُ بالدليل، لا بالتهليل، وبالبرهان، لا بكثرةِ الأتباع والأعوان.

وقد نُقل عن أمير المؤمنين الإمام علي : «الناسُ أعداءُ ما جهلوا». وما أبلغها من حكمة! فكم من إنسانٍ عادى فكرةً لأنه لم يفهمها، وحارب رأيًا لأنه لم يستوعبه، واتّهم صاحبَ علمٍ لأنه لم يبلغ مبلغَه!

ثم لا تأتني بعبارة «الله يهديك» ملفوفةً بالسخرية، مشحونةً بالوصاية، متستّرةً بالدعاء وهي تحملُ حكمًا بالإدانة! فالدعاءُ بالهداية فضيلةٌ حين ينبعُ من المحبّة، ولكنه يفقدُ جمالَه حين يُستعملُ سوطًا للمعاتبة، وسلاحًا للمغالبة.

ادعُ لي بالهداية، وادعُ لنفسك قبلها؛ فكلانا يحتاجُ رحمةَ الله، وكلانا يسألُه البصيرةَ والرعاية. لا تجعلْ نفسك عنوانَ الصواب، وتجعلْ غيرك عنوانَ الضلال والعذاب!

وقد أرشدنا القرآن إلى فضيلة الإنصات والتمييز، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18].

تأمّل! قال يستمعون القول، ولم يقل يُسكتون قائله؛ وقال فيتبعون أحسنه، ولم يقل يتبعون أكثره شهرةً، أو أعلاه صوتًا، أو أوسعَه انتشارًا.

وليس معنى احترامِ الاختلاف أن تتساوى الحقيقةُ بالوهم، أو يتساوى العلمُ بالجهل، أو يصبحَ كلُّ رأيٍ صوابًا لا يقبلُ السؤال؛ بل معناه أن يكونَ الاحتكامُ إلى الحجة، لا إلى الهيمنة، وإلى الدليل، لا إلى التجريح والتضليل.

إنني لا أطلبُ منك أن تتبعني، ولا أقبلُ منك أن تُلغيَ عقلي لتُرضيني، وإنما أطلبُ حوارًا يُنصفُ الطرفين، وأدبًا يحفظُ الودَّ بين المختلفين. فإن أقنعتني بدليلٍ قبلتُه بامتنان، وإن أقنعتُك بحجةٍ فاقبلها بإحسان، وإن بقينا مختلفين فلا تجعلْ اختلافَ الرأي قطيعةً بين قلبين.

وأخيرًا، لا تتخلَّ عن طريق الحقّ لقلّة سالكيه، ولا تتعلّقْ بطريق الباطل لكثرة السائرين فيه. لا تستوحشْ من الانفراد إن كان دليلك راسخًا، ولا تغترَّ بالجماعة إن كان برهانُها واهيًا.

فكرامتي ليست في أن أكون دائمًا على صواب، بل في أن أبحثَ عن الصواب دون تعصّبٍ أو ارتياب، وشجاعتي ليست في أن أُصرَّ على رأيي مهما ظهرَ البرهان، بل في أن أُراجعَ نفسي إذا تبيّنَ لي الحقُّ واتّضحَ البيان.

فلا أنتَ وصيٌّ على ضميري، ولا أنا وصيٌّ على تفكيرك؛ وإنما نحنُ باحثان عن الحقيقة، قد نلتقي عندها بعد اختلاف، وقد نختلفُ في فهمها مع بقاءِ الودّ والإنصاف.

احترمْ عقلي كما أحترمُ عقلك، وناقشْ فكري كما أناقشُ فكرك؛ فالعقولُ خُلقت لتتفكّر، لا لتتكبّر، والقلوبُ خُلقت لتتآلف، لا لتتخالف، والحقيقةُ لا تخشى الحوار، وإنما يخشاهُ من عجزَ عن الإقناع واكتفى بإصدارِ الأحكام.