آخر تحديث: 22 / 10 / 2026م - 1:12 ص

من نبض الحياة إلى باريس… رحلة كتاب وحلم

الملتقى الدولي للكتاب العربي - باريس 17-24 اكتوبر 2026

رضي منصور العسيف *


ثمة لحظات في الحياة لا تستطيع الكلمات أن تصف جمالها، ولا تسعفك العبارات في التعبير عن مشاعرك تجاهها؛ لأنها ببساطة أكبر من أن تُختصر في سطور، وأعمق من أن تُروى في كلمات.

وهكذا كانت رحلتي إلى الملتقى الدولي للكتاب العربي في باريس 2026.

لم أكن أتخيّل يومًا أن أجد نفسي وسط هذا الحضور الثقافي المتنوع، بين نخبة من الأدباء والمفكرين والمبدعين القادمين من مختلف الدول العربية، يحمل كلٌّ منهم تجربته، وحكايته، وشغفه بالكلمة.

كان حدثًا استثنائيًا في حياتي، وتجربةً ثقافية وإنسانية ستبقى محفورة في ذاكرتي، ليس لأنها حملتني إلى مدينة باريس فحسب، بل لأنها حملتني إلى آفاق أرحب من المعرفة والإبداع.

*حين تخرج من حدودك… تتسع أحلامك*

من أجمل ما تعلمته في هذا الملتقى أن الإنسان حين يخرج من حدود عالمه المألوف إلى فضاءات أوسع، فإنه لا يغيّر مكانه فحسب، بل تتسع رؤيته، وتتجدد أفكاره، ويكتشف أن العالم مليء بالتجارب الملهمة والطاقات الإبداعية التي تستحق التأمل والتقدير.

وما أجمل أن تقف على شاطئ الأدب والثقافة، وتتأمل أمواج الإبداع المتدفقة من مختلف الأوطان، ثم تكتشف أن لك بين هذه الأمواج أثرًا، وأن ما كتبته يومًا بشغفٍ ومحبة أصبح جزءًا من هذا المشهد الثقافي الجميل!

كنت أجلس بين الحضور، أستمع إلى المشاركات والكلمات والتجارب الأدبية، وأشعر أن كل كلمة تحمل إليّ رسالة خفية تقول:

واصل الكتابة… فما زال في قلبك الكثير مما يستحق أن يُروى، وفي الحياة حكايات تنتظر قلمك.

كانت تلك اللحظات تمنحني طاقة جديدة، وتزيدني إيمانًا بأن الكتابة ليست مجرد حروف تُسطّر على الورق، بل رسالة إنسانية، وجسر يمتد من قلب الكاتب إلى قلوب الآخرين.

* ”جواهر من نبض الحياة“ … حين تسافر الحكايات إلى باريس*

وسط هذا العرس الثقافي، كانت لي فرحة خاصة، وفرحة لا تشبه سواها.

لقد كان كتابي ”جواهر من نبض الحياة“ حاضرًا في هذا الملتقى.

هذا الكتاب الذي لم أكتبه من وراء مكتب بعيد عن الناس، بل كتبته من قلب الحياة، ومن تفاصيل أيام عشتها مع أحبتي مرضى الفشل الكلوي.

كتبته وأنا أشاركهم لحظات العلاج، وأصغي إلى حكاياتهم، وأرى في عيونهم مزيجًا من الألم والأمل، وأتعلّم منهم كيف يمكن للإنسان أن يصنع من الصبر قوة، ومن المعاناة حكاية تستحق أن تُروى.

كانت كل قصة نبضةً من قلب، وكل صفحة تحمل شيئًا من مشاعر أولئك الأحبة الذين تركوا في نفسي أثرًا لا يُنسى.

وها هو الكتاب الذي وُلد من رحم المعاناة، وكُتب بمداد المحبة والوفاء، يسافر إلى باريس، ليشارك في عرس ثقافي يحتفي بالكتاب والكلمة والإنسان!

يا لها من لحظة جميلة!

أن ترى حكايات مرضاك تعبر المسافات، وتتجاوز الحدود، لتجد لها مكانًا بين إبداعات الأدباء والمثقفين.

شعرت يومها بفخر عميق، ليس بما أنجزته وحدي، بل لأنني حملت معي شيئًا من أصوات مرضاي وحكاياتهم الإنسانية إلى هذا الفضاء الثقافي الرحب.

*رفاق الرحلة… حين يكون للنجاح شركاء*

ولا تكتمل جماليات هذه الرحلة دون أن أتوقف بكل محبة وامتنان عند شخصيات كان لها أثر كبير في نجاحها وإشراقها.

وفي مقدمتهم الوكيل الأدبي، الكاتب المبدع والشاعر الرائع، الدكتور عبدالله البطيان، الذي أخصّه بخالص الشكر والتقدير؛ فقد كان صاحب المبادرة والتشجيع على حضور هذا الملتقى، وكان لثقته ودعمه أثر كبير في خوض هذه التجربة الجميلة.

لقد اكتشفت خلال هذه الرحلة أن بعض الأشخاص لا يكتفون بأن يكونوا رفاق طريق، بل يصبحون مصدر إلهام، وقوةً تدفعك نحو آفاق أرحب.

وهكذا عرفت الدكتور عبدالله البطيان؛ إنسانًا يتفانى في دعم الآخرين، ويسعد بنجاحهم، ويؤمن بأن المبدع يستحق أن تتجاوز كلماته حدود المكان، وأن يصل أثره إلى العالم.

كان حريصًا على أن نتقدم، وأن ننمو، وأن نؤمن بقدرتنا على صناعة أثر جميل في عالم الثقافة والأدب.

ولقد كان بالنسبة إليّ ملهمًا حقيقيًا في هذه الرحلة، أضاء لي جوانب جديدة من الطريق، وجعلني أكثر ثقة بأن الأحلام تكبر حين تجد من يؤمن بها.

وكان من اللحظات الثقافية الجميلة في هذا الملتقى أن شهدتُ حفل توقيعه لكتابيه ”حافة النهر صعود“ و”أنين فراشة“، في مشهدٍ احتفائيٍّ بالكلمة والإبداع، زاد من بهجة اللقاء، وجسّد جانبًا من عطائه الأدبي الذي يستحق كل تقدير.

ولا أنسى رفيق الرحلة الجميل، الأستاذ أحمد عبدالنبي، ذلك الإنسان الموسوعي، والفنان التشكيلي المبدع، وصاحب الروح الطيبة والحضور المحبب.

لقد كان بحق روح الرحلة!

بدماثة أخلاقه، وروحه المرحة، وحديثه الممتع، أضفى على أيامنا بهجة خاصة، وجعل من تفاصيل السفر واللقاءات ذكريات دافئة لا تُنسى.

وازدادت فرحتي وأنا أشهد توقيعه لكتابه ”غدنة الفكر“ في هذا الملتقى، فكانت لحظةً جميلةً أضافت إلى رصيد الرحلة الثقافي فرحةً أخرى، وجمعت بين متعة الرفقة والاحتفاء بالإبداع.

فبعض الرفاق لا يضيفون إلى الرحلة حضورًا فحسب، بل يمنحونها روحًا، ويتركون في الذاكرة ابتسامةً تبقى طويلًا.

*لقاءات تصنع ذاكرة جميلة*

ومن أجمل ما حملته هذه التجربة تلك اللقاءات الثرية مع مجموعة من المؤلفين والمثقفين والمهتمين بالشأن الأدبي.

تعارفنا، وتبادلنا الأحاديث والتجارب، وتشاركنا فرحة الحضور والانتماء إلى عالم الكتاب.

كانت لقاءات قصيرة في زمنها، لكنها عميقة في أثرها، أكدت لي أن الثقافة قادرة على أن تجمع القلوب قبل العقول، وأن الكلمة الجميلة تستطيع أن تبني جسورًا من المحبة والتواصل بين الناس مهما اختلفت أوطانهم وتجاربهم.

*لم تنتهِ الرحلة… بل بدأت من جديد*

عدت من باريس، لكن شيئًا من روحي ظل هناك، بين رفوف الكتب، ووجوه المبدعين، وأحاديث الأدباء، وتلك اللحظات التي شعرت فيها أن للحلم أجنحة، وأن للكلمة قدرة عجيبة على السفر.

عدت وأنا أحمل في قلبي امتنانًا كبيرًا لكل من أسهم في هذه التجربة، وفي ذاكرتي صورًا جميلة، وفي روحي حافزًا أقوى لمواصلة مسيرتي الكتابية.

لقد علّمتني هذه الرحلة أن الإبداع لا يعرف حدودًا جغرافية، وأن الحكاية الصادقة، مهما كانت بدايتها بسيطة ومحلية، تستطيع أن تصل إلى قلوب بعيدة، إذا كُتبت بالمحبة والإخلاص.

ولهذا لن أقول: انتهت الرحلة.

بل سأقول بكل تفاؤل:

هنا بدأت رحلة جديدة… بحلم أكبر، وأفق أوسع، وقلم يحمل من الأمل ما يكفي لكتابة حكايات أخرى.

وأسأل الله أن يوفقنا لمواصلة هذا الطريق بكل حب وإخلاص، وأن يجعل فيما نكتب أثرًا طيبًا، ورسالةً نافعة، وبصمةً جميلة تبقى في القلوب.

فما أجمل أن يسافر الكتاب إلى العالم، والأجمل أن يحمل معه نبض الإنسان.








كاتب وأخصائي تغذية- القطيف