آخر تحديث: 25 / 10 / 2026م - 2:32 م

أثرٌ لا يرحل.. في وداع باسم الأبيض

فؤاد الحمود *


رحيل معلّمٍ لم تمنعه آلام المرض من أداء رسالته، ولم تستطع قسوة الحياة أن تنتزع من روحه نقاءها.

ليس كلُّ رحيلٍ يُقاس بحجم الغياب، فهناك أشخاصٌ حين يرحلون يتركون في الأرواح فراغًا لا تملؤه الأيام، وفي القلوب حزنًا لا تستطيع الكلمات أن تحيط به. يرحلون بأجسادهم، لكن مواقفهم النبيلة، وأخلاقهم الرفيعة، وآثارهم الطيبة تظل حاضرةً في ذاكرة كل من عرفهم وعاش معهم.

ومن بين هذه القامات الإنسانية التي تستحق أن تُروى حكايتها بوفاءٍ ومحبة، يأتي اسم الأستاذ باسم الأبيض، الذي لم يكن مجرد معلّم يؤدي واجبه الوظيفي، بل كان إنساناً يحمل رسالة، ويؤدي أمانة، وتُجسّد بصمته وأخلاقه معنى الإخلاص الحقيقي للمهنة والإنسان.

كان باسم من أولئك الذين لا يحتاجون إلى كثرة الكلام ليعبّروا عن أنفسهم؛ فقد كان كثير الصمت، هادئ الطبع، رفيع الخلق، وكأن في هدوئه لغةً خاصة لا يفهمها إلا من اقترب من روحه وعرف معدنه الأصيل.

لم يكن صمته فراغًا، بل كان جزءًا من شخصيته الهادئة التي لا تميل إلى الضجيج، ولا تبحث عن الأضواء، ولا تتكلف إظهار ما في داخلها، كان حضوره يتسم بالوقار، وتعاملُه مع الآخرين تحكمه الأخلاق والاحترام، وعلاقاته بزملائه تقوم على الرقي والتقدير المتبادل.

وهكذا كان رحمه الله من أولئك الذين يتركون أثرهم من دون ضجيج، ويكسبون محبة الناس من دون تكلّف، ويثبتون أن قيمة الإنسان ليست فيما يقول عن نفسه، بل فيما يراه الآخرون من أخلاقه ومواقفه.

إن العمل في مجال تعليم ذوي الإعاقة السمعية ليس مجرد وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات الدوام، بل هو رسالة إنسانية تحتاج إلى الصبر، وسعة الصدر، والقدرة على التواصل بوسائل تتجاوز الكلمات المنطوقة، وإلى قلبٍ يدرك أن لكل إنسان عالمه الخاص الذي يستحق أن يُفهم ويُحتضن.

وقد كان الأستاذ مخلصاً في عمله، يؤدي مسؤوليته بتفانٍ، مؤمنًا بأن التعليم أمانة، وأن الطالب يستحق من معلمه الحضور والعناية والاهتمام.

ولعلّ أجمل ما في سيرته أنه لم يسمح لآلامه الشخصية أن تتحول إلى عذرٍ للتراجع عن أداء رسالته، ولم يجعل من معاناته حاجزًا يفصله عن واجبه الإنساني والمهني؛ ظلّ يؤدي عمله بكل إخلاص، رغم ما كان يواجهه من مشقةٍ صحية، وكأن قلبه كان يقول له إن الرسالة التي يحملها أكبر من أن تُوقفها الأوجاع.

وهنا تتجلى عظمة الإنسان؛ فليس كل من عمل أدّى رسالة، وليس كل من واجه الألم استطاع أن يواصل العطاء، أما باسم، فقد اجتمع في سيرته إخلاص المعلّم، وصبر المبتلى، ونبل الإنسان الذي يحاول أن يمنح الآخرين من جهده، حتى حين يكون هو في أمسّ الحاجة إلى الراحة.

ابتُلي رحمه الله بالمرض، وخاض رحلةً قاسية مع معاناة صحية شاقة، كان من فصولها غسيل الكلى، بما يحمله ذلك من مشقة جسدية ونفسية، وما يتطلبه من صبرٍ وقوةٍ في مواجهة تفاصيل الحياة اليومية.

وما أصعب أن يحمل الإنسان آلامه في داخله، ثم يخرج إلى الناس محافظًا على هدوئه، مؤديًا واجبه، متعاملًا معهم برقيّ، وكأن شيئًا من أوجاعه لا يريد له أن يثقل على أحد.

لقد كانت معركته مع المرض وجهًا خفيًّا من وجوه سيرته؛ معركةً لا يعرف تفاصيلها كاملةً إلا الله، ولا يدرك ثقلها إلا من خبر مثل هذه الآلام. ومع ذلك، لم تمنعه معاناته من مواصلة عمله بكل تفانٍ وإخلاص.

وكم من إنسانٍ نراه بيننا هادئًا، لا نشعر بحجم ما يحمله من أوجاع، ولا نعرف كم مرةً قاوم التعب، وكم مرةً تغلّب على ألمه ليواصل يومه!

رحل باسم وهو في عزّ شبابه، بعد معاناة مع المرض، تاركًا وراءه أسئلةً موجعة عن قِصر الحياة، وعن تلك الأمنيات التي لا يمهلنا القدر دائمًا حتى نراها تتحقق، وعن الأحبة الذين نعتاد وجودهم، ثم نفاجأ بأن مكانهم قد أصبح ذكرى، وأن أصواتهم التي ألفناها لن تعود كما كانت.

إنه رحيلٌ موجع، لا لأن العمر انتهى مبكراً فحسب، بل لأن الإنسان حين يرحل شابّاً يحمل معه أحلاماً لم تكتمل، وأياماً كان من حقه أن يعيشها، ولحظاتٍ كانت أسرته وزملاؤه يتمنون أن تجمعهم به طويلًا.

فلم تكن علاقته بزملائه علاقةً عابرةً تفرضها بيئة العمل، بل كانت تتسم بطابع راقٍ، يسوده الاحترام وحسن التعامل ونبل الأخلاق.

وفي بيئات العمل، قد نلتقي عشرات الأشخاص، لكن قلةً منهم يتركون في نفوسنا أثراً يتجاوز حدود الوظيفة، فنذكرهم لا بسبب منصبٍ شغلوه، ولا بسبب إنجازٍ سجلوه في الأوراق، بل بسبب ما منحونا إياه من طمأنينة، وما لمسناه فيهم من صدقٍ وأصالة.

وهذا ما يجعل رحيله مؤلمًا لزملائه؛ فهم لا يودّعون زميلًا فحسب، بل يودّعون إنسانًا ألفوا حضوره، واحترموا أخلاقه، واعتادوا أسلوبه الهادئ في التعامل.

كم هو صعبٌ أن يدخل الزملاء إلى أماكن عملهم بعد رحيله، فيجدوا المكان كما هو، لكن شيئًا فيه قد تغيّر! مقعده، وذكراه، وتفاصيل الأيام التي جمعتهم به، كلها قد تستحضر حضوره الغائب، وتوقظ في القلوب حنيناً لا تعبّر عنه الكلمات.

وربما كان أشدّ ما يوجع في الفقد أن التفاصيل الصغيرة التي لم نكن نلتفت إليها في حياة الراحل تصبح بعد رحيله أغلى الذكريات؛ تحيةٌ عابرة، أو لقاءٌ قصير، أو موقفٌ بسيط، أو صمتٌ اعتدناه، ثم اكتشفنا بعد فوات الأوان أن تلك التفاصيل كانت جزءًا من نعمة وجوده بيننا.

رحم الله باسمًا، فقد ترك لزملائه ذكرى إنسانٍ محترم، وسيرةً طيبة، وأثرًا لا تمحوه الأيام بسهولة.

إلى أسرة الفقيد العزيز، إلى والديه وأهله وأحبته، وإلى كل قلبٍ اعتصره الألم لفراقه، نتقدم بخالص المواساة وصادق العزاء، مستشعرين أن الكلمات مهما بلغت من الصدق، تبقى عاجزةً عن ملامسة عمق الحزن الذي يخلّفه رحيل عزيز، ولا سيما حين يختطفه الموت في ريعان شبابه.

نعلم أن الفقد ليس كلمةً تُقال، ولا مناسبةً تنتهي بانتهاء أيام العزاء؛ إنه غيابٌ يتسلل إلى تفاصيل الحياة، وحنينٌ يتجدد في المواقف، وذكرياتٌ تعود فجأةً فتملأ العين دمعاً والقلب شوقاً.

وما أصعب أن تنظر الأسرة إلى الأماكن التي كان يملؤها وجود فقيدها، فتتمنى لو يعود للحظة، لتراه، وتسمع صوته، وتطمئن عليه، وتخبره كم كان عزيزًا، وكم أصبح غيابه موجعًا.

لكن عزاءنا وعزاءكم أن الحياة، وإن قصرت، لا تُقاس بعدد السنوات وحده، بل بما يتركه الإنسان من خيرٍ وأثر؛ وقد ترك باسم من سيرته الطيبة ما يستحق أن يُذكر به، ومن إخلاصه في عمله ما يجعله حاضراً في ذاكرة من عرفوه، ومن أخلاقه ما يبقى شاهداً على جمال معدنه.

نسأل الله أن يربط على قلوبكم، وأن يفيض عليكم من رحمته وصبره، وأن يجعل فقيدكم في واسع جناته، وأن يعوّضكم عن ألم الفراق سكينةً وطمأنينة، وأن يجعل ما أصابه من مرضٍ ومعاناةٍ في ميزان رحمته وكرامته.

ولعلّ أجمل وفاءٍ نقدمه له أن نحفظ سيرته الطيبة، وأن نذكره بما كان عليه من خلقٍ وإخلاص، وأن نجعل من ذكراه دعوةً إلى تقدير الإنسان في حياته، والاعتراف بفضله قبل أن يصبح الاعتراف به حديثًا بعد الرحيل.

رحيلك يا باسم، سيبقى الحكاية لا تنتهي عند لحظة الرحيل؛ فهناك معلّمٌ سيبقى في ذاكرة طلابه، وزميلٌ سيظل حاضرًا في وجدان من عملوا معه، وإنسانٌ ستحتفظ القلوب بصورته النبيلة، وبهدوئه، وبأخلاقه الرفيعة، وبإخلاصه الذي لم تنل منه قسوة المرض.

لقد علّمتنا سيرته أن العظمة ليست دائمًا في الأفعال الصاخبة، وأن بعض الناس يصنعون أثرهم في هدوء، وأن الوفاء الحقيقي قد يتجلى في إنسانٍ يواصل أداء واجبه رغم ألمه، ويحفظ للآخرين حقهم في الاحترام، ولا يجعل من معاناته سببًا للتقصير في مسؤوليته.

رحل جسد باسم، وبقيت معانيه؛ رحلت خطواته عن ممرات العمل، وبقيت ذكرياته؛ غاب حضوره الذي اعتاده زملاؤه، لكن سيرته الطيبة ستظل نافذةً يطلّ منها على قلوبهم كلما ذكروه.

رحمك الله يا أبا آدم، رحمةً واسعةً تسع غربتك، وتؤنس وحشتك، وتجعل ما عانيته من ألمٍ ومرضٍ رفعةً لك عنده.

عزاؤنا لأسرتك الكريمة، ولزملائك ومحبيك، أن الأرواح النبيلة لا يغيب أثرها برحيل أصحابها، وأن الإنسان قد يغادر الدنيا، لكنه يظل حيّاً بما زرعه من محبة، وما تركه من خير، وما خطّه في قلوب الآخرين من سيرةٍ عطرة.

سلامٌ على روحك الطاهرة، وسلامٌ على أيامك التي قضيتها معلّمًا مخلصًا، وإنسانًا نبيلًا، وصابرًا على البلاء.

رحمك الله بقدر ما صبرت، وبقدر ما أخلصت، وبقدر ما تركت في قلوب من عرفوك من محبةٍ ووفاء.

إنا لله وإنا إليه راجعون.