آخر تحديث: 25 / 10 / 2026م - 2:32 م

زال الخطر

رائدة السبع * صحيفة اليوم

لو أن للصفارات ذاكرة، لكتبت عن أحاديث قطعتها، وضحكات أسكتتها، ووجوه التفتت إلى صوتها. بل تؤدي مهمتها، ثم تصمت.

حين ينطلق الإنذار في الهاتف، تتغير علاقتنا بالأشياء. نصغي إلى ما اعتدنا سماعه دون انتباه، وننظر إلى تفاصيل حياتنا كأننا نراها للمرة الأولى. يصبح البيت ملاذًا ندرك قيمته، واللقاء نعمة لا نريد تأجيلها. نكتشف أن في الأيام نعمًا لا نلتفت إليها إلا حين نشعر بأنها مهددة.

لكن ماذا يحدث في المسافة بين التنبيه وإعلان زوال الخطر؟ لا تتوقف الساعة، لكن الدقائق تبدو أطول مما عهدناها. تتزاحم الأسئلة، وتتدافع الأفكار نحو الغد: حديث لم يكتمل، وخطة تنتظر، وحياة تترقب كلمة تفصل الاحتمال عن اليقين. في تلك المسافة، لا نعرف نهاية الحكاية؛ نعرف فقط أن علينا أن نصغي، ونلتزم بالتوجيهات، وننتظر. نمضي في الحاضر بأجسادنا، بينما تسبقنا عقولنا إلى المستقبل.

في تلك اللحظات، نكتشف أن العقل، مهما أحسن ترتيب الاحتمالات، لا يملك سلطة مماثلة على مشاعرنا. قد نعرف أن علينا الانتظار، ونفهم ما ينبغي فعله، لكن الشعور لا يخضع للمنطق بالسهولة نفسها. فثمة مسافة بين أن نعرف أن الخطر سوف يزول، وأنه قد زال فعلا.

وحين تعلن الجهات المختصة زوال الخطر، تعود الحياة إلى تفاصيلها المألوفة. تُستأنف الأعمال، وتُفتح الكتب، وتعود الأحاديث إلى مجالسها. تبدو المشاهد كما كانت، لكننا لا نراها بالعين نفسها؛ فقد أصبحنا أكثر انتباهًا إلى ما نملك. ولا يُقاس زوال الخطر بصمت الصفارة وحده؛ فالتعليمات الرسمية هي المرجع، والالتزام بها مسؤولية تحمي الفرد والمجتمع.

غير أن للحكاية جانبًا لا تلتقطه الصور: ما لم يحدث. لا نرى ما جرى تفاديه، ولا نعرف حجم الخطر الذي حالت الاستجابة دون وصوله إلينا. نرى نتائج العمل، لكننا لا نرى دائمًا تفاصيله؛ فقد يكون أعظم أثره ضررًا جرى تفاديه، وحياة استمرت دون أن تعرف مقدار الجهد الذي بُذل لحمايتها.

هنا تكمن مفارقة الأمان: قد يكون أعظم نجاحه نجاة لا تتحول إلى خبر، وخطرًا لا يصل، ويومًا يمضي دون أن تضطر الحياة إلى رواية ما نجت منه. فليس كل إنجاز مشهدًا نراه، ولا كل حماية حكاية تُروى.

زال الخطر، وبقيت النجاة التي لا نعرف حكايتها. ولعل الأمان أن تمضي بنا الحياة دون أن ندرك كم خطرًا لم يبلغنا.

حفظ الله بلادنا من كل مكروه.