حين يحتمل المديح هجاءً

هل يمكن لبيتٍ من الشعر أن يمدحك ويهجوك في الوقت نفسه؟ أن تقرأه فتطمئنّ إلى ثنائه، ثم تعود إليه فتجد في الكلمات ذاتها ما يدعوك إلى الشك؟ في البلاغة العربية فنّ يضع القارئ أمام هذا الاحتمال، ويجعل العبارة الواحدة تتّسع لمعنيين متضادّين، فلا يستقرّ لها وجه واحد بسهولة.
يُعرف هذا الأسلوب في الشعر باسم «التوجيه»، ويُسمّى أيضًا «الإبهام» و«محتمل الضدّين». وقوامه أن يأتي الكلام قابلًا للمدح والذمّ، من غير أن يتضمّن ما يحسم المقصود منهما. وهنا يلزم شيء من الدقّة: فليس كلّ هجاء يتخفّى في صورة مديح من هذا الباب؛ إذ قد تنكشف السخرية بوضوح، بينما يقوم التوجيه على بقاء الاحتمالين قائمين، وعلى قدرة العبارة على حمل كلٍّ منهما.
ومن الشواهد التي توردها كتب البلاغة قولٌ يُنسب إلى بشّار بن بُرد في خيّاط أعور:
خَاطَ لِي عَمْرٌو قِبَاءْ … لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءْ
قُلْتُ شِعْرًا لَيْسَ يُدْرَى … أَمَدِيحٌ أَمْ هِجَاءْ
للوهلة الأولى، تبدو الأمنية دعاءً بالعافية: ليت العين المصابة تُشفى، فتستوي العينان في سلامة البصر. وعندها يصبح البيت تعبيرًا عن الرضا بصنعة الخيّاط، ومكافأةً له بدعوة طيّبة.
لكنّ العبارة تحتمل الوجه الآخر أيضًا: ليت العين السليمة تصير كالمصابة، فتتساوى العينان في فقد البصر. وعندها تنقلب الأمنية دعاءً عليه، ويصير ما بدا ثناءً هجاءً مريرًا.
لم تتغيّر الكلمات بين القراءتين. الذي تغيّر هو الجهة التي حملنا إليها معنى «التساوي». فقد ترك القائل هذه الكلمة من غير أن يحدّد: أيريد تساوي العينين في العافية أم في العلّة؟ وفي هذه المساحة الصغيرة بين المعنيين استقرّت حيلة البيت كلّها.
واللافت أنّ هذا الأسلوب في الشعر يمنح المتلقّي دورًا يتجاوز الاستماع. فهو مضطرّ إلى إعادة القراءة، وتأمّل السياق، والسؤال عن العلاقة بين القائل ومن قيل فيه الكلام. وقد يبحث عن نبرةٍ أو قرينةٍ ترجّح أحد الوجهين، لأنّ الألفاظ وحدها لا تمنحه جوابًا قاطعًا. يصبح البيت، بهذا المعنى، سؤالًا موجّهًا إلى قارئه بقدر ما هو كلام موجّه إلى صاحبه.
ومن الممكن قراءة هذه المساحة بوصفها ملاذًا للقائل أيضًا؛ فإذا حُمِل كلامه على الهجاء، ظلّ المعنى الحسن حاضرًا للدفاع عنه. غير أنّ احتمال العبارة للإساءة لا يكفي وحده لإثبات أنّ صاحبها أرادها. وهنا تظهر قيمة التمييز بين ما يسمح به النصّ وما نستطيع الجزم به عن نيّة قائله؛ فقد نجد وجهًا جارحًا في الكلام، لكنّ وجوده لا يمحو الوجه الآخر.
ولهذا فإنّ جمال «محتمل الضدّين» لا يقوم على غموضٍ يعجز القارئ عن فهمه، بل على وضوح معنيين يتعذّر الجزم بأحدهما. نحن نفهم الدعاء بالعافية، ونفهم الدعاء بفقدها، لكنّنا نقف أمام الكلمات نفسها ولا نعرف أيّ البابين أراد القائل أن نفتح.
إنّ هذا الأسلوب في الشعر يكشف مقدار ما تستطيع اللغة أن تفعله بالقليل. أمنية قصيرة، وكلمة لم يُحدَّد اتجاهها، فإذا بالثناء قابلٌ لأن ينقلب طعنًا. يفرغ القارئ من البيت، لكنّ البيت لا يفرغ من إثارة سؤاله:
أكان يدعو له… أم يدعو عليه؟












