آخر تحديث: 2 / 11 / 2026م - 11:14 م

الهوية السعودية.. حكاية أرض وإرث يرويها العالم

باسم آل خزعل


ليست الهوية الوطنية مجرد ملامح تُختصر في شعار أو صورة، ولا تاريخًا يُروى في صفحات الكتب، بل هي حكاية أرض وإنسان، وإرث تتوارثه الأجيال، وثقافة تتشكل من تفاصيل الحياة اليومية. وحين نتحدث عن المملكة العربية السعودية، فإننا نتحدث عن وطن تتعدد فيه التضاريس وتتلاقى فيه الحضارات، وتختزن أرضه شواهد تاريخية وثقافية تمتد جذورها إلى أعماق الزمن.

ففي الشرق، تمتد سواحل الخليج العربي بما تحمله من تاريخ بحري وتجاري وارتباط وثيق بالبحر واللؤلؤ والتجارة، وفي الغرب تتجلى شواطئ البحر الأحمر بجمالها وشعابها المرجانية وتاريخ موانئها وطرقها التجارية، وفي الشمال تقف المواقع الأثرية والنقوش التاريخية شاهدة على حضارات قديمة، وعلى دور المنطقة بوصفها ممرًا مهمًا للقوافل التجارية وطرق الحج والتواصل الحضاري بين الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق. أما الجنوب، فتأسرنا جباله الشاهقة ومرتفعاته الخضراء ومدرجاته الزراعية وغاباته وعيونه المائية، في مشهد طبيعي يعكس ثراء التنوع الجغرافي للمملكة.

ولعل ما يميز هذا الامتداد الجغرافي أن كل منطقة لا تقدم مشهدًا طبيعيًا مختلفًا فحسب، بل تحمل قصة تاريخية وإنسانية خاصة، من آثار الحضارات القديمة في الشمال إلى إرث الموانئ والتجارة في الغرب والشرق، وصولًا إلى الموروث المعماري والزراعي والاجتماعي في الجنوب. إنها روافد متعددة تصنع هوية وطنية واحدة، وتمنح المملكة مقومات ثقافية وسياحية تستحق أن تُقدَّم للعالم.

وفي هذا الإطار، جاءت الجلسة الحوارية التي احتضنتها دار القادسية بمحافظة الخبر، في الأول من نوفمبر، بعنوان «الهوية السعودية في المشهد العالمي»، بتنظيم مجتمع أسوة، وأدارتها الأستاذة موضي الربيعان، نائب رئيس إدارة الاتصال بالمجتمع، واستضافت كلًا من الدكتورة بدور العثمان، مديرة فرع هيئة التراث بالمنطقة الشرقية، والدكتور عبداللطيف العفالق، مستشار تطوير المنظمات والمشروعات الثقافية والسياحية.

وقد تناولت الجلسة سؤالًا مهمًا يتجاوز حدود التعريف بالهوية إلى كيفية تقديمها للعالم: كيف نستطيع أن ننقل ثراء التجربة السعودية وتنوعها الثقافي والتاريخي إلى المشهد العالمي، بصورة تجمع بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر وتجعل من التراث والثقافة والسياحة روافد متكاملة لصورة المملكة؟

التراث... ذاكرة المكان والإنسان

في محور التراث، قدَّمت الدكتورة بدور العثمان طرحًا مهمًا حول مفهوم التراث المادي وغير المادي، موضحة أن التراث المادي يتمثل فيما تركته الحضارات المتعاقبة من شواهد تاريخية ملموسة، كالمباني والقلاع والمقتنيات والأدوات المستخدمة في مختلف الحقب الزمنية، وهي شواهد تكشف عن أنماط الحياة وتطور المجتمعات عبر التاريخ.

أما التراث غير المادي، فيمتد إلى ما هو أبعد من الأشياء المحسوسة، ليشمل القصص والروايات الشفهية والأحداث التاريخية والعادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلتها الأجيال. وأكدت أهمية توثيق هذه الروايات والتحقق من مصادرها ومطابقتها للمراجع الموثوقة، حتى لا تضيع تفاصيل الذاكرة الشعبية أو تختلط الروايات غير الموثقة بالحقائق التاريخية.

كما سلطت الضوء على أهمية إشراك المجتمع المحلي في المحافظة على الهوية وإبرازها، من خلال تعزيز دور الهيئات والجمعيات الأهلية والمراكز غير الربحية، لتكون شريكًا فاعلًا في توثيق الموروث وإحياء الممارسات الثقافية والحرف التقليدية، وإبراز الخصوصية التي تتميز بها كل منطقة من مناطق المملكة.

السياحة... حين تتحول الهوية إلى تجربة عالمية

ومن زاوية أخرى، تناول الدكتور عبداللطيف العفالق العلاقة بين الهوية السعودية والمشهد السياحي العالمي، مشيرًا إلى ما تمتلكه المملكة من موارد سياحية مستدامة، تتنوع بين المقومات الطبيعية والتاريخية والثقافية والدينية.

وتبرز في مقدمة هذه المقومات المكانة الروحية للمملكة، باحتضانها الحرمين الشريفين، المسجد الحرام والمسجد النبوي، وما يرتبط بهما من تاريخ إسلامي عظيم ومكانة راسخة في وجدان المسلمين حول العالم.

وأكد العفالق أن تقديم الهوية السعودية للعالم ينبغي أن يستند إلى منطق علمي وثقافي يواكب تطور المجتمعات، ويخاطب العالم بأساليب معاصرة، بعيدًا عن الاكتفاء بعرض المشاهد السياحية أو تقديم الموروث في قوالب تقليدية.

ومن الأفكار اللافتة التي طرحها أهميةُ تعزيز لغة التواصل مع العالم، وعدم حصر ذلك في اللغة الإنجليزية وحدها، بل الانفتاح على لغات أخرى تتيح الوصول إلى ثقافات وشعوب متعددة. فالتعريف بالمملكة لا يكون من خلال ترجمة الكلمات فحسب، بل من خلال القدرة على شرح ثقافتها وعاداتها وتقاليدها، وإيصال معانيها بصورة يفهمها الآخرون ويتفاعلون معها.

المجتمع شريك في صناعة الصورة

وتبرز أهمية هذه الجهود بصورة عملية في المنطقة الشرقية، من خلال التعاون بين فرع هيئة التراث بالمنطقة الشرقية وهيئة تطوير المنطقة الشرقية في أعمال ترميم وتأهيل عدد من المواقع التاريخية، ومن بينها قلعة تاروت وحمّام أبو لوزة في محافظة القطيف. وتمثل هذه المعالم شواهد حية على عمق التاريخ الحضاري للمنطقة، وما تختزنه من إرث معماري وثقافي يستحق المحافظة عليه وإبرازه للأجيال القادمة والزوار من مختلف أنحاء العالم. فإعادة تأهيل المواقع التاريخية لا تعني المحافظة على مبانٍ قديمة فحسب، بل تعني إحياء ذاكرة المكان، وإعادة تقديم قصصه ضمن تجربة ثقافية وسياحية تعزز حضور المنطقة الشرقية على خارطة السياحة التراثية في المملكة.

ومن خلال الربط بين الطرحين، تتضح أهمية التكامل بين المحافظة على التراث وتطوير التجربة السياحية. فتوثيق المواقع التاريخية والروايات الشعبية، وإشراك المجتمع المحلي، ودعم المبادرات الثقافية، كلها خطوات تسهم في تقديم هوية سعودية متكاملة لا تنفصل فيها الجغرافيا عن التاريخ، ولا التراث عن الإنسان.

لقد كانت الجلسة الحوارية مساحةً ثريةً لتبادل الأفكار والرؤى حول كيفية تقديم الهوية السعودية في المشهد العالمي، وأهمية المحافظة على أصالتها مع تطوير أدوات التعريف بها.

ختامًا، فإن أجمل ما في الهوية السعودية أنها لا تحتاج إلى أن تستعير حكايات الآخرين؛ فهي تمتلك حكايتها الخاصة، الممتدة من شمالها الذي شهد عبور القوافل والحضارات، إلى شرقها وغربها بما يحملانه من تاريخ بحري وتجاري، وصولًا إلى جنوبها بجباله وموروثه الطبيعي والثقافي. إنها حكاية أرض تتنوع تضاريسها، وإنسان يعتز بإرثه، وثقافة تتعدد روافدها وتلتقي في وطن واحد.

ومتى أحسنا توثيق هذه الحكاية وتقديمها بلغة العصر، أصبحت الهوية جسرًا للتواصل مع العالم، وأصبح التراث موردًا للإبداع، والسياحة نافذةٌ يطل منها الآخرون على جمال المملكة وثرائها الحضاري، انسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.