آخر تحديث: 2 / 11 / 2026م - 11:14 م

ويكيليكس المدارس... من رهبة العقال إلى هيبة السكانر!

إبراهيم الرمضان *


في أواخر التسعينيات، وتحديدًا في تلك المرحلة التي بدأت فيها التقنية تتسلل إلى حياتنا اليومية، كانت الشهادات المدرسية لا تزال تحتفظ بهيبتها التاريخية، باعتبارها وثائق رسمية قد تحدد مصير الطالب داخل منزله! كانت لحظة تسليم النتائج أشبه باستدعاء رسمي للمثول أمام محكمة عائلية، لا تعرف الاستئناف، ولا تعترف بالظروف المخففة، وغالبًا ما تُنفّذ أحكامها فور صدورها!

كان بعض الطلاب يلجؤون إلى تزوير توقيع ولي الأمر، هربًا من جلسات التحقيق وما يتبعها من عقوبات. لكن هذه الحيلة لم تكن لتنطلي على والدي، رحمه الله، فقد كان يطالب بالاطلاع على شهاداتنا بنفسه، تلك الشهادات التي يُفترض أن تبيّض الوجه، لكنها أحيانًا كانت تجعل الوجه يتلوّن قبل أن يتلوّن الظهر!

فمجرد ظهور كلمة «مقبول» أو «ضعيف» كان كافيًا لإعلان حالة الطوارئ، واستدعاء العقال اللين، ذلك الاختراع متعدد الاستخدامات، الذي كان والدي يستعين به للوجاهة خارج المنزل، ولتنفيذ الأحكام داخله!

أما ظهري، فكان يتحول بعد كل جلسة إلى خريطة جغرافية غامضة، تنتشر عليها بقع زرقاء، لو عُرضت على أحد المستكشفين لاعتقد أنها مواقع لكنوز لم تُكتشف بعد!

مشكلتي الأزلية لم تكن في العجز عن التفوق الدراسي، بل في سوء إدارة البداية! فقد اعتدت التعثر في الفصل الدراسي الأول، ثم استدراك الوضع في الفصل الثاني، وإنهاء العام بتقدير «جيد جدًا». لكن المشكلة أن والدي لم يكن مستعدًا لانتظار النتائج النهائية، ولا يعترف بمبدأ «العبرة بالخواتيم» عندما يتعلق الأمر بالدرجات!

وهنا وجدت نفسي أمام معضلة: كيف أتجاوز أزمة الفصل الأول، وأصل إلى الفصل الثاني بظهر سليم؟

الحل؟ الحيلة طبعًا!

لكن هذه المرة بطريقة أكثر تطورًا من حيل الأجيال السابقة!

ففي الماضي، لم تكن أجهزة المسح الضوئي «السكانر» وبرامج تعديل الصور مثل «الفوتوشوب» متاحة، أما في أواخر التسعينيات، فقد أصبحت التقنية تفتح أمامنا آفاقًا جديدة، بعضها لم يكن يخطر حتى على بال إدارات المدارس!

عاد أنتم افهموا الباقي، ولا أظن أن أحدًا سيشكك في قدراتي التقنية!

ولم يتبقَّ سوى اللمسة الأخيرة، وهي تزوير توقيع رائد الفصل ومدير المدرسة شخصيًا!

لاحظوا التطور الإداري! بينما كان البعض يكتفي بتزوير توقيع ولي الأمر، وصلت أنا إلى توقيع مدير المدرسة بكبره! أما توقيع والدي، فلم أكن بحاجة إلى تزويره، فهو سيتولى هذه المهمة بنفسه بعد أن يطمئن إلى النتائج التي أمامه!

ومع ذلك، لم أكن متهورًا في تعديل الدرجات، بل كنت أتعامل معها بواقعية شديدة، أرفع درجة هنا، وأحسّن تقديرًا هناك، دون مبالغة تجعل والدي يشك في أن ابنه تحوّل فجأة إلى عبقري لم تكتشفه وزارة التعليم!

ونجحت الخطة، ونجا ظهري، ولو مؤقتًا، من المزيد من المعالم الجغرافية الزرقاء!

لكن النجاح الفردي لم يكن كافيًا، فقد لاحظت أن أحد زملائي يعاني الأزمة نفسها، فعرضت عليه خدماتي في تعديل شهادته، فاستقبل العرض بسعادة غامرة، وكأنني منحته صكّ براءة من جميع التهم الموجهة إليه!!

أنجزت المهمة، لكنني اشترطت عليه أن يجتهد في الفصل الثاني، حتى لا تنكشف العملية عندما تظهر النتائج النهائية.

تخيلوا أنني كنت أنصحه وأطالبه بالاجتهاد، وأحاسبه على مستواه الدراسي، وكأنني ولي أمره، مع أن شهادتي الأصلية لا تختلف كثيرًا عن شهادته!

ومع مرور الأيام، بدأ يتسرب الأمر بين بعض الطلاب، وبدأ عدد منهم يتعنّى إلى منزلنا حاملًا شهادته، راجيًا أن أتدخل لإنقاذ مستقبله العائلي!

وهكذا تحولت، دون تخطيط، إلى جهة مستقلة لتحسين النتائج المدرسية، تعمل خارج أوقات الدوام، ولا تخضع لإشراف وزارة التعليم!

لكن المفاجأة الحقيقية لم تأتِ بعد!

ذات يوم، أخبرني أحد إخوتي أن شخصًا غريبًا ينتظرني عند الباب، ولا يبدو أنه من أبناء الحي.

خرجت لاستقباله، وكانت المفاجأة!

إنه أحد الطلاب الذين اعتادوا التنمّر عليّ منذ بداية العام الدراسي!

وقفت مذهولًا أتساءل: ما الذي جاء به إلى منزلنا؟ ألم يكتفِ بمضايقتي في المدرسة حتى يلاحقني إلى البيت؟!

لكنني فوجئت به يمد يده لمصافحتي، وعلى وجهه علامات الانكسار والاستجداء، ثم أخبرني بأنه سمع عن خدماتي في تعديل الشهادات، وأنه جاء طالبًا النجدة!

سلّمني شهادته، وأخذ يتوسل إليّ أن أعدّل درجاته بسرعة، مؤكدًا أن والده، إذا اطلع عليها، فسيسحله ويعلّقه فوق خزان المنزل ليلة كاملة!

نظرت إلى درجاته، ثم نظرت إليه، وقلت مستنكرًا:

«يا ابن الحلال، درجاتك ما ينترقّع وضعها! وش الفايدة أزوّر لك الشهادة، وبالنهاية ترسب؟!»

لكنه واصل التوسل، وكادت دموعه تنهمر من عينيه. يا سبحان الله! هذا هو الطالب نفسه الذي كان يتنمّر عليّ في المدرسة، يقف الآن أمامي منكسرًا، ينتظر مني أن أنقذه من مصيره المحتوم!

لأول مرة، تنقلب موازين القوى، ويصبح مصير المتنمّر بيد ضحيته، لا بسبب قوة جسدية، ولا تدخل الإدارة المدرسية، بل بسبب مهاراتي في التزوير!

وبما أنني أصبحت في موقع يسمح لي بفرض الشروط، فقد وافقت على مساعدته، ولكن بشرطين:

الأول: أن يشد حيله في الفصل الثاني، وينجح نهاية العام، ويبيّض وجهي أمام نفسي على الأقل!

والثاني: أن يتوقف نهائيًا عن التنمّر عليّ في المدرسة، وإلا فسأكشف شهادته الأصلية التي سأحتفظ بنسخة منها!

وهكذا، لم أكتفِ بتعديل شهادته، بل عدّلت سلوكه أيضًا، مستفيدًا من نظام أرشفة بدائي سبق ظهور «ويكيليكس» بسنوات!

أما نهاية القصة...

فيُقال إن «حبل الكذب قصير»، لكنني كنت أراهن على أن ينتهي العام الدراسي قبل أن ينتهي الحبل! ولحسن الحظ، نجحت في نهاية العام بتقدير «جيد جدًا»، فتجاوزت الأزمة دون أن تنكشف شهادتي المعدّلة.

أما الطلاب الذين استعانوا بخدماتي، ثم رسبوا رغم كل التحذيرات والنصائح، فلا أعلم ماذا جرى لهم بعد ظهور النتائج الحقيقية!

هل انكشف أمرهم؟ هل واجهوا محاكمات عائلية؟ هل نُفّذت بحقهم الأحكام المؤجلة؟

والله لا أعلم، وأسأل الله أن يكون قد ستر عليهم!

ففي النهاية، كنت أستطيع تعديل الشهادات، لكنني لم أكن أملك صلاحية تعديل النتائج النهائية... فضلًا عن تعديل أمزجة أولياء الأمور!