رحلتي إلى الداخل

حين تتراكم المقالات على امتداد سنوات، لا تعود الكتابات مجرد نصوص دونّت في مناسبات مختلفة، وإنما تتحول إلى سيرة فكرية تكشف عن الأسئلة التي ظلت تسكن الكاتب، والقضايا التي كان يعود إليها كلما تبدلت الحياة من حوله. حين أعود إلى ما كتبته خلال هذه السنوات، أجد نفسي أمام سؤال يتكرر بصور مختلفة: كيف يستطيع الإنسان أن يرتقي بنفسه، كيف يصالحها، ويهذبها، حتى يعيش راضيا عنها، راجيا أن يلقى الله بقلب سليم؟
لم تكن النفس في هذه الكتابات كيانا مثاليا منزها عن الضعف، بل إنسانا حقيقيا يعيش بين الرغبة والخوف، والنجاح والإخفاق، والمقارنة والرضا، والغضب والتسامح، والانشغال والطمأنينة. لذلك تنقلت الموضوعات بين ضبط النفس، والسلام الداخلي، والاستحقاق الذاتي، والدعاء، والعطاء، ومقاومة الاستهلاك، والجهاد مع النفس، وسلامة القلب. قد تبدو عناوين متباعدة، لكنها في العمق تلتقي عند قضية واحدة: إصلاح الإنسان من الداخل. هذا الخيط يظهر بوضوح منذ كتابات مبكرة عن «ضبط النفس»، وصولا إلى مقالات أحدث مثل «الاستحقاق الذاتي» و«الدعاء طريقنا إلى الطمأنينة» و«أشرس الحروب» و«سلامة القلب».
مع مرور السنوات بدا لي أن أكبر معارك الإنسان ليست دائما مع الظروف أو الناس، وإنما مع ذلك العالم الخفي الذي يحمله داخله. قد يغير الإنسان بيته وعمله ومحيطه، يضاعف دخله، ويسافر إلى أبعد الأماكن، لكنه يحمل نفسه معه أينما ذهب. فإذا لم يتعلم كيف يفهمها ويضبط رغباتها ويخفف تعلقها بالمقارنة ونظرات الآخرين، فإن كثيرا مما يحققه في الخارج لن يستطيع إصلاح ما يضطرب في الداخل. من هنا جاء الحديث المتكرر عن الطمأنينة باعتبارها حالة لا تشتريها كثرة الأشياء، وعن المقارنة التي قد تسلب الإنسان قدرته على رؤية ما بين يديه من نعم.
من الأهمية بمكان أن نفهم أن الارتقاء بالنفس لا يعني جلدها. هذه ربما من الأفكار التي نضجت أكثر مع الزمن. فهناك فرق كبير بين محاسبة النفس واحتقارها، وبين إصلاح الخطأ وتحويله إلى حكم دائم على قيمة الإنسان. القبول الذاتي ليس أن يرضى المرء عن أخطائه، وإنما أن يعرف ضعفه دون أن يفقد احترامه لنفسه، وأن يمنحها فرصة أخرى كلما تعثرت. الإنسان الذي يعيش عمره كله محاولا إثبات أنه يستحق الحياة والراحة والتقدير قد يصل إلى أشياء كثيرة، لكنه قد يصل إليها متعبا من نفسه. هذا المعنى حاضر بوضوح في الكتابة عن «الاستحقاق الذاتي»، حيث يصبح السؤال ليس فقط ماذا أنجزنا، بل كيف عشنا ونحن ننجز؟
تأتي مرحلة أعمق من المصالحة، حين يدرك الإنسان أن تهذيب النفس ليس مشروعا دنيويا غايته أن يصبح أكثر راحة ونجاحا فحسب. المؤمن يحمل سؤالا أبعد من ذلك كله: بأي قلب سألقى الله؟ هنا تتغير المقاييس. المال يبقى، والمكانة تنتهي، والمديح يصمت، وحتى الخصومات التي استنزفت أعمارنا تصبح صغيرة أمام لحظة الرحيل. ما يبقى هو ما صنعته الأيام في القلب: هل جعلته أكثر رحمة أم قسوة؟ أكثر تواضعا أم كبرا؟ أكثر صفاء أم امتلأ بالحسد والضغينة؟ هذا هو المحور الذي وصل إليه مقال «سلامة القلب» بصورة مباشرة.
لذلك لم يكن الحديث عن الدعاء والذكر والعبادة منفصلا عن الحديث عن النفس والحياة اليومية. فالدعاء، كما حاولت هذه الكتابات أن تراه، ليس كلمات تقال عند الحاجة فحسب، وإنما عودة متكررة إلى الأصل، لحظة يخلع فيها الإنسان أقنعته، ويقف أمام الله كما هو، بضعفه وخوفه ورجائه. هناك يتعلم أن القبول الحقيقي لا يصنعه إعجاب الناس، وأن السكينة لا تأتي دائما من تغير الظروف، ولكن قد تبدأ من تغيير الطريقة التي يستقبل بها القلب تلك الظروف.
عندما أنظر اليوم إلى هذه الرحلة الطويلة من الكتابة، لا أجدني أمام شخص وصل إلى نهاية الطريق يقدم للآخرين وصفة للكمال، ولكن أجد إنسانا كان يكتب وهو يتعلم، يتأمل وهو يمشي، ويطرح على نفسه كثيرا من الأسئلة التي يطرحها على قارئه. ربما كانت قيمة الكتابة الحقيقية هنا: ألا يقف الكاتب فوق الناس ليخبرهم كيف يعيشون، بل يجلس بينهم ويقول لهم: نحن جميعا نحاول.
الارتقاء بالنفس ليس محطة يصل إليها الإنسان ذات صباح ثم يطمئن إلى أنه انتهى، وإنما مراجعة تستمر ما استمرت الحياة. في كل يوم هناك شيء ينبغي أن نتخلى عنه، وشيء ينبغي أن نتعلمه، وخطأ يحتاج إلى تصحيح، وإنسان يحتاج إلى مسامحة، ونعمة تستحق الشكر، وقلب يحتاج إلى تنظيف من آثار الطريق.
بعد سنوات من الكتابة، ربما يمكن اختصار هذه الرحلة كلها في أمنية واحدة: أن نصبح في نهاية الطريق أفضل قليلا مما كنا عليه في بدايته، أكثر وعيا بأنفسنا، وأرحم بالآخرين، وأقل تعلقا بما يفنى، وأكثر استعدادا لما يبقى. وأن نصل إلى ذلك النوع النادر من التصالح الذي يستطيع فيه الإنسان أن ينظر إلى نفسه دون كراهية، وإلى الناس دون حقد، وإلى ما مضى دون ندم يهدمه، وإلى ما بقي من العمر بقلب يريد أن يصلح ما استطاع.
حين يحين اللقاء الأخير، لن يكون السؤال كم مقالا كتبت، ولا كم شخصا قرأ لي، ولا كم مرة صفق لي الآخرون. ستسقط كل هذه الأرقام، ويبقى السؤال الذي يستحق أن نكتب من أجله العمر كله: ماذا فعلت هذه الرحلة بقلبي، وهل بات القلب الذي سألقى به الله سليما معافى..؟












