آخر تحديث: 7 / 11 / 2026م - 6:46 م

حين أصبح التنمر خفة دم

نضال آل مسيري *


أحيانًا أجد نفسي أقرأ التعليقات على بعض المنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، فأكتشف أن ما كُتب أسفل المنشور أكثر إثارة للاستغراب من المنشور نفسه. تعليقات ساخرة، وأخرى جارحة، وبعضها يتجاوز حدود الأدب والاحترام، ومع ذلك تحصد الإعجابات والضحكات، وكأننا أمام مسابقة لاختيار أكثر الأشخاص قدرة على السخرية من الآخرين.

ما الذي تغيّر فينا حتى أصبحنا نضحك على ما قد يؤلم غيرنا؟

لا أذكر أننا كنا نشهد هذا القدر من التنمر في حياتنا اليومية، ولا يعني ذلك أن مجتمعاتنا كانت خالية من السخرية والاستهزاء، لكن الأمر لم يكن بهذا الانتشار، ولم تكن الكلمة الجارحة تجد كل هذه المساحة لتنتقل من شخص إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق.

اليوم، يكفي أن يظهر إنسان في مقطع عابر، أو يتحدث بلهجته المعتادة، أو يخطئ في نطق كلمة، حتى تتحول التعليقات إلى ساحة مفتوحة للسخرية منه. والأغرب أن بعض المعلقين لا يناقشون ما قيل أو ما حدث، بل ينصرفون إلى شكل الشخص أو وزنه أو عمره أو مظهره، وكأن ظهوره أمام الناس يمنح الجميع الحق في النيل منه.

ولم يعد أحد بمنأى عن هذه الظاهرة، مهما بلغت مكانته الاجتماعية أو العلمية أو الثقافية؛ فالشخص المعروف والبسيط، والكبير والصغير، والمعلم والطبيب، جميعهم قد يجدون أنفسهم هدفًا لتعليقات لا تراعي مشاعرهم ولا ظروفهم.

لكن ما يستوقفني ليس وجود المتنمر وحده، بل ذلك القبول الذي أصبح يحيط به. فقد يكتب أحدهم تعليقًا جارحًا، فيجد من يضحك عليه، ومن يصفه بخفة الدم، ومن يحاول التفوق عليه ب«قطّة» أشد قسوة. وهكذا تتحول الإساءة إلى مادة للترفيه، ويصبح عدد الإعجابات مقياسًا لنجاحها.

والمؤسف أن البعض أصبح يتعمد كتابة التعليقات الساخرة بحثًا عن التفاعل والظهور، دون أن يدرك، أو ربما دون أن يكترث، أن هناك إنسانًا حقيقيًا على الطرف الآخر، له مشاعره وأسرته وحياته الخاصة.

قد يكتب أحدهم تعليقًا في لحظة، ثم يغلق هاتفه ويمضي في يومه، بينما يظل الشخص المستهدف منشغلًا بتلك الكلمات، وربما يجد نفسه مضطرًا إلى تبرير موقف لم يرتكب فيه خطأ، أو مواجهة أسئلة أسرته وأصدقائه عن شيء لم يكن يتوقع أن يتحول إلى مادة للسخرية.

ولا تتوقف آثار التنمر دائمًا عند الشعور بالحزن أو الإحراج؛ فقد تؤدي الإساءة المتكررة إلى فقدان الثقة بالنفس، والانسحاب من العلاقات الاجتماعية، وتوتر العلاقات الأسرية، وربما إلى اضطرابات نفسية تحتاج إلى تدخل متخصص. وما نراه نحن مجرد كلمات على شاشة قد يترك أثرًا طويلًا في حياة إنسان آخر.

والأكثر غرابة أننا قد نستنكر الإساءة إذا طالت أحد المقربين منا، بينما نتساهل معها إذا كان المستهدف شخصًا لا نعرفه، وكأن احترام الإنسان أصبح مرتبطًا بمدى قربه منا، لا بكونه إنسانًا يستحق الاحترام.

لا أرى مشكلة في الدعابة، ولا في النقد أو الاختلاف مع الآخرين، فالحياة لا تخلو من المواقف الطريفة، لكن هناك فرقًا بين أن نضحك مع الإنسان وأن نضحك عليه، وبين أن ننتقد فكرة وأن نسخر من صاحبها.

وما يثير القلق أيضًا أن كثيرًا من أصحاب الحسابات يتركون التعليقات المسيئة دون تدخل، رغم قدرتهم على حذفها أو الحد منها، فتتحول صفحاتهم إلى مساحات يتبارى فيها البعض في التجريح، ويُنظر إلى ذلك بوصفه تفاعلًا ناجحًا يزيد انتشار المحتوى.

وهنا تبرز مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية من يكتب الإساءة: مسؤولية من يسمح باستمرارها، ومن يشجعها بالإعجاب والمشاركة، ومسؤولية المنصات في التعامل الجاد مع البلاغات والمحتوى المسيء.

لدينا أنظمة تجرّم صورًا من التشهير والإساءة الإلكترونية، لكن وجود الأنظمة وحده لا يكفي ما لم يصاحبه وعي مجتمعي، وتطبيق فعّال، وإدراك أن الكلمة المكتوبة ليست أقل ضررًا من الكلمة التي تُقال في وجه صاحبها.

ربما أصبحنا بحاجة إلى مراجعة بسيطة لسلوكنا اليومي في وسائل التواصل الاجتماعي، وأن نسأل أنفسنا قبل كتابة تعليق أو مشاركته: هل كنا سنقول الكلام نفسه لو كان صاحبه يجلس أمامنا؟ وهل كنا سنضحك لو كان المستهدف أحد أفراد أسرتنا؟

لا أعتقد أن احترام الآخرين يحتاج إلى كثير من القوانين أو المواعظ، بقدر ما يحتاج إلى شيء من الإحساس بالإنسان الذي يقف خلف الصورة أو المقطع أو المنشور.

فليس كل تعليق يُضحك الناس دليلًا على خفة الدم، وربما كان أكثر التعليقات إضحاكًا هو أشدها إيلامًا لشخص لم يجد في الأمر ما يستحق الضحك.

كاتب ومهتم بالشأن الاجتماعي والتقني