آخر تحديث: 7 / 11 / 2026م - 6:46 م

إِلَّا قَلِيلاً

أنيس آل دهيم *


كلما ظننت أنني اقتربت من فهم شيء من أسرار هذا الوجود، وجدت أمامي أسئلة جديدة تعيدني إلى التأمل من جديد. فالإنسان مهما اتسعت معارفه، يبقى محاطاً بعوالم وأسرار تتجاوز حدود إدراكه، وكأن ما نعرفه من حقيقة الوجود ليس إلا جزءاً يسيراً مما لا نعرفه.

من هذا المنطلق أعود إلى قراءة كتاب «عجائب الملكوت» لعبد الله بن محمد بن عباس الزاهد، وقد قرأته أكثر من مرة، وفي كل قراءة أجدني أكتشف عمقاً لم يدركه عقلي في القراءة السابقة. فالأحداث الخارقة للمألوف، وما يطرحه الكتاب من أحاديث وروايات عن عوالم الملائكة والجن والروح والأبعاد الغيبية، تفتح أمامي أبواباً واسعة من التساؤلات والتأملات.

أتساءل دائماً: هل العالم الذي تدركه حواسنا يمثل حقيقة الوجود كاملة؟ أم أننا نعيش ضمن حدود إدراكية لا تسمح لنا بالإحاطة بكل ما حولنا؟ إن عدم قدرتنا على مشاهدة شيء لا يعني بالضرورة عدم وجوده، كما أن جهلنا بحقيقة أمر ما لا يمنحنا الحق في تفسيره وفق تصوراتنا الخاصة.

وهنا أجد نفسي أمام مفهوم الغيب، الذي يذكرنا بمحدودية المعرفة الإنسانية، كما في قوله تعالى: «وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً». فالإنسان يسعى إلى المعرفة، لكنه لا يملك الإحاطة بكل أسرار الوجود.

وما يستوقفني في موضوعات الكتاب هو ما تثيره من أسئلة حول حقيقة الروح، وعوالم الملائكة والجن، وعلاقة العالم المحسوس بما وراءه. ولا أتعامل مع كل ما يرد من روايات بوصفه حقيقة ثابتة لمجرد غرابته، فهناك فرق بين التأمل في الرواية والتحقق من صحتها، وبين الإيمان بالغيب والتوسع في تصورات لا دليل عليها.

أعتقد أن أجمل ما تمنحنا إياه مثل هذه القراءات هو إعادة النظر في حدود معرفتنا، والتفريق بين ما نعرفه وما نؤمن به وما لا نزال نجهله. فالعلم لا ينبغي أن يكون خصماً للإيمان، كما أن الإيمان لا يعفينا من التفكير والتمحيص.

وفي كل مرة أعود فيها إلى هذا الكتاب، أجد أن الأسئلة تتسع أكثر من الإجابات، وأن المعرفة الحقيقية لا تجعل الإنسان أكثر ادعاءً، بل أكثر تواضعاً أمام عظمة الخالق وأسرار خلقه.

لست هنا بصدد تقديم تفسير لعالم الغيب، ولا الادعاء بالإحاطة بأسرار الملكوت، وإنما هي تأملات شخصية نتيجة قراءة متكررة لكتاب أعادني إلى سؤال أراه جوهرياً: كم نعرف حقاً عن هذا الوجود الذي نعيش فيه؟

فكلما اتسعت معرفتنا بشيء من أسرار الخلق، أدركنا أن ما نجهله أوسع، وأن عظمة الخالق أكبر من أن تحيط بها عقول المخلوقين.

تصوير: أنيس آل دهيم