آخر تحديث: 7 / 11 / 2026م - 6:46 م

مَنْ أَكُونُ إِنْ لَمْ أَكُنْ مِنْكِ؟

فوزي آل غريب *


أنا، ابنُ الأرضِ والرّيحِ،
حيثُ البحرُ يوشوشُ للرّملِ أسرارَه،
وحيثُ النّخيلُ يمدُّ ظلَّه على ذاكرةِ المارّين،
ويلقّنُهم الصّبرَ في قيظِ الأماني.

وحينَ ينطفئُ السِّراجُ في دربِ العابرين،
أوقدُ من روحي قنديلًا،
وأصوغُ الحرفَ من ملحِ البحر،
وأكتبُ فوقَ الماءِ ما لا يُمحى.

«غناتي»…
وحينَ يفيضُ الحنينُ،
تنسابُ على شفتيَّ: «غناتيه»،
لأنَّ العشقَ هنا ليسَ حرفًا عابرًا،
بل زفرةُ الموجِ في صدرِ البحر،
وصوتُ السّفنِ حينَ تمضي إلى الأفق.
وفي لهجتي ملحُ الجدودِ ونبضُ اللّيالي،
وفي دمي تنسابُ الأزقّةُ العتيقةُ
مثلَ أنشودةِ بحّارٍ لم ينمْ.

أنا من هناكَ، حيثُ للماءِ ذاكرةٌ،
وحيثُ تتآلفُ القلوبُ على بُعدِ البيوتِ.
فإن غبتُ عنكِ يومًا،
فلا تبحثي عنّي إلّا في صوتِ المآذن،
أو بينَ سعفِ النّخل،
أو في قلبِ أمٍّ تنثرُ دعاءَها على الغائبين.
حينَ يهمسُ لي اللّيلُ بأغنيتِه السّمراء،
أصغي لصوتِ اللّؤلؤِ يحدّثُ صدَفَه،
وللعابرينَ وهم يغزلونَ حكاياتِهم
على إيقاعِ البحرِ المتعب،
وأحفظُ من الموجِ وصايا الغارقين.

وسيهاتُ شامةٌ على خدِّ الخليج،
وفي وجهي ملامحُ الملّاحين،
وسمرةُ النّخلِ حينَ يعانقُ الشّمس،
وفي راحتي بعضٌ من تعبِ الأرض،
وبعضٌ من حكايا المطرِ المسافرِ
إلى بساتينَ العائدين.
إن قلتُ: «غناتيه»،
فأنا لا أقولُها عبثًا؛
إنّما أمدُّ في الكلمةِ شريانًا،
وأزرعُها نخلةً في رملِ الكلام،
لتثمرَ ظلًّا
وقصيدةً يطربُ لها المساء.

أنا أحملُ الهواءَ في كفّي
حينَ يمرُّ في الأزقّةِ يطلبُ ودَّ البيوت،
ولا أطفئُ ناري؛
فأنا ابنُ الصّوتِ الذي
إن سُرقَ منه الكلام،
ظلَّ يُنشدُ بالرّمادِ والضّوء.

وحينَ ينامُ اللّيلُ على كتفِ المرافئ،
أفتحُ صدري للرّيح،
وأمدُّ يدي لالتقاطِ نجمةٍ
تائهةٍ في المدى،
أخبّئُها في عيني،
وأضيءُ بها دربَ العائدين.
فإن نادى البحرُ باسمي، أجبتُه،
وإن مرّتِ الرّيحُ بي، صافحتُها.
وفي ظلّي الممتدِّ فوقَ الرّمل،
وفي قلبي المعلَّقِ بينَ موجتين،
يبقى صوتي،
حينَ يغنّي عنكِ يا سيهاتُ،
ولا ينطفئ.

وحينَ يسألُني الغريبُ: مَن أنتَ؟
أرفعُ رأسي للسّماء،
وأشيرُ إلى البحر،
وأقولُ:
أنا ذاكرةُ البحرِ حينَ تصيرُ إنسانًا…
كلّما ابتعدتُ عنكِ،
وجدتُ في أعماقي
طريقًا إليكِ،
يا سيهاتُ…

كما لو أنَّ حبّي لكِ لا يعرفُ النّهاية.