آخر تحديث: 7 / 11 / 2026م - 6:46 م

التحديات التي تواجه العلوم الاجتماعية

رائد بن محمد آل شهاب


تواجه العلوم الاجتماعية والإنسانية في أجزاء كثيرة من أوروبا صعوبات بالغة منذ عقود، سواء على مستوى التعليم الثانوي أو العالي، أو فيما يتعلق بآفاق المسار المهني المستدام، أو نمو الفرص البحثية. ويُعد نقص التمويل المزمن، وهو اتجاه شائع في العديد من الدول الأوروبية، عاملًا رئيسيًا يغذي هذه التحديات. ويأتي هذا في ظل تنامي التوجه العالمي نحو تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات «STEM» على حساب المناهج الدراسية المرتبطة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، نظرًا إلى قدرة الأولى على تلبية متطلبات النمو الاقتصادي واحتياجات سوق العمل بشكل أفضل. وفي كثير من البلدان، يؤدي هذا إلى تراجع حوافز الطلاب للالتحاق بهذه التخصصات، ناهيك عن السعي نحو مسيرة مهنية أكاديمية فيها. أما في دول وسط أوروبا وجنوب شرقها، فقد أدى ذلك إلى تفاقم ظاهرة الهجرة الأكاديمية، إذ يجد الباحثون المتميزون في هذه المجالات دافعًا أقل أو فرصًا غير كافية لتطوير مسيرتهم المهنية في أوطانهم. ونتيجة لذلك، تتراجع الجودة العامة للبيئات الأكاديمية المحلية، مع تناقص عدد المتخصصين القادرين على الإسهام في تطويرها. إنها حلقة مفرغة بكل المقاييس؛ فنقص التمويل ووجود بيئة بحثية محبطة يؤديان إلى تراجع الدافعية وزيادة الهجرة، مما ينعكس سلبًا على جودة المخرجات الأكاديمية، وهو ما يقود بدوره إلى مزيد من نقص التمويل وضعف الحوافز لمواصلة المسار الأكاديمي. باختصار، تواجه العلوم الاجتماعية والإنسانية تحديًا معقدًا، قد يكون التغلب عليه عاملًا حاسمًا لضمان ازدهارها على المدى المتوسط والبعيد.

فإذا عدنا إلى المقال السابق «ما لا تعرفه عن العلوم الاجتماعية»، فأعتقد أنه من الضروري تسليط الضوء على نشأة علم الاجتماع ودوره في دراسة المدن في تاريخ الولايات المتحدة. فقد تعامل الباحثون مع مدينة شيكاغو، التي شهدت تصنيعًا سريعًا ونموًا سكانيًا هائلًا، إذ ارتفع عدد سكانها من 110 آلاف نسمة عام 1860 إلى أكثر من مليوني نسمة بحلول عام 1910، بوصفها مختبرًا اجتماعيًا حيًا.

وفي هذا السياق، نشأت «مدرسة شيكاغو» في علم الاجتماع داخل جامعة شيكاغو، التي أُسس فيها أول قسم مستقل لعلم الاجتماع في العالم عام 1892 تحت إشراف ألبيون سمول. وقد بلغت هذه المدرسة ذروة ازدهارها في الفترة ما بين عامي 1915 و 1935 تقريبًا، حيث حوّلت علم الاجتماع من تخصص فلسفي نظري يُمارس من وراء المكاتب إلى علم تجريبي قائم على العمل الميداني.

طبّق باحثون مثل روبرت إي. بارك، وإرنست دبليو. بورغيس، ورودريك دي. ماكنزي مفاهيم علم البيئة البيولوجية على المدن، مؤكدين أن السلوك البشري والجماعات الاجتماعية تتكيف مع الفضاء الحضري من خلال التنافس والتوسع والتعاقب. وقد طوّر بورغيس نموذج المناطق الحلقية متحدة المركز، موضحًا كيف تتوسع المدن نحو الخارج في حلقات تبدأ بمنطقة الأعمال المركزية، مرورًا بالمناطق الانتقالية ومساكن الطبقة العاملة، وصولًا إلى الضواحي.

عرّف لويس ويرث المدينة الحديثة في مقالته المنشورة عام 1938 بثلاثة متغيرات أساسية: حجم السكان، والكثافة السكانية، والتنوع الاجتماعي، موضحًا كيف تسهم هذه السمات في تجريد الروابط الاجتماعية من طابعها الشخصي وإعادة تشكيل النفس البشرية.

طوّر الباحثون أدوات بحثية تجريبية وإثنوغرافية تجمع بين رسم الخرائط الإحصائية، وبيانات التعداد السكاني، ودراسات الحالات الفردية والسير الحياتية، والملاحظة الميدانية المباشرة لتتبع الفقر، والجريمة، واندماج المهاجرين وغيرها من الظواهر الاجتماعية.

إذا أمعنا النظر، نلاحظ سرعة صعود الولايات المتحدة وتنامي نفوذها وتفوقها في ثلاثة مجالات رئيسية مقارنة بدول القارة الأوروبية، وهي:

- القاعدة المعرفية.

- الصناعة بمختلف مجالاتها، إلى جانب التقنيات الزراعية المتقدمة.

- القوة العسكرية.

وفي اعتقادي، من الممكن دراسة تجربة «مدرسة شيكاغو» في التخطيط الحضري والاجتماعي والاستفادة منها في السياق المحلي عبر تطبيقها في إحدى جامعاتنا الوطنية. غير أن تحديًا قائمًا يظل متمثلًا في بناء «القاعدة المعرفية» التي لا نزال في بداية الطريق لتوطينها. إن التوسع في استيعاب العلوم المتخصصة وتسريع وتيرته أصبحا أمرًا ضروريًا، مما قد يستلزم إعداد نخبة من الكفاءات الوطنية في هذه المجالات، وتقديم الرعاية والمساندة الكاملتين لهم لكسب رهان الوقت، بهدف تطوير المدن القائمة وفق معايير الاستدامة، ووضع خطط مستقبلية لربطها بمدن صديقة للبيئة.

وقد شهدت دول عديدة، ولا تزال، صورًا من هذا الاحتضان للمبدعين، كما في الصين، حيث تُعرض صور بعض العلماء في الأماكن العامة تقديرًا لدورهم في النهضة الصينية الحديثة، وكذلك شركات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة التي توفر بيئة استثنائية لتطوير ابتكارات ذات قيمة.

المصادر:

- The Chicago School of Sociology — ملخص مولّد بالذكاء الاصطناعي «AI Overview».

- Key Contributions of the Chicago School — ملخص مولّد بالذكاء الاصطناعي «AI Overview».

- Challenges Facing the Future of Social Sciences & Humanities — Center for Advanced Study Sofia «CAS»، 2019-2022.