آخر تحديث: 7 / 11 / 2026م - 6:46 م

من طبيب أسرتك؟

أحمد رضا الزيلعي *


تمهيد «من نافل القول»:

وُضعت الشهادات لتكون وثيقة رسمية على الإنجاز، سواء أكاديميًا أم وظيفيًا، وتأتي قيمة تلك الشهادة من الجهة المانحة لها. هذه الشهادات تعطي مؤشرًا للمجتمعات عن المستوى العلمي والمهاري فيها كصورة إجمالية. بحمد الله، بعد أن كان في الأزمنة السابقة الحاصل على شهادة المرحلة الابتدائية يُعدّ مفخرة لمجتمعه، أصبحت المجتمعات تزخر بالشهادات الجامعية والدراسات العليا، وهذا يعكس التقدم الأكاديمي الذي وصلنا إليه في هذه القرية العالمية. وبالنموذج نفسه، ينطبق الحال على المسار الحوزي الذي رسّخ أسسه الأئمة المعصومون ، ففي السابق كان من النادر وجود طلاب علم حوزوي في المجتمعات، ولكن في زماننا لا تخلو المجتمعات من ثلاثة أو أكثر من طلبة العلم العلوي، أعزهم المولى.

هذا الزخم العلمي «التخصصي» يخدم مجتمعاتنا ويسهم في تقدمها، وقد تحقق جزءٌ من هذا التقدم، لأن توظيف تلك الطاقات يكون بقرار المجتمع عند وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، لتكون الاستفادة من الطاقات بالشكل الأمثل.

كما هو معلوم، تتفاضل العلوم في شرفها بحسب موضوعها، ولكن ذلك لا يُزهِّد في العلوم المفضولة، لأن حامل أشرف العلوم يحتاج إلى حامل العلم المفضول لتسير عجلة الحياة، بل بعض العلوم قد تصعد إلى المقدمة إذا كانت الحاجة إليها ماسة لدى المجتمع المسلم، بحسب ما تفضل به أحد الفقهاء. يبقى الوجوب على الجميع أن ينهل من العلم الأشرف بمقدار المسائل المبتلى بها، وما زاد على ذلك فهو أفضل قدر المستطاع، ولكن تبقى الكلمة للمختص في ذلك «أهل السماحة والفضل والخبرة من الفقهاء فضلًا عن المراجع».

التحرك من أسس التخصص هو الطريق الأصح لنتائج أدق، وما غرسه أمير المؤمنين في قصة زواجه بأم البنين حين سأل سيدنا ومولانا عقيلًا بن أبي طالب أجمعين، وتعضده الحواضر العلمية الآن التي فتحت في كل منعطف تخصصًا في التخصص الواحد، لذلك نرى النتيجة «تقدمٌ علميٌّ متفجر». وهذه ثقافة ينبغي أن تسود مجتمعاتنا، لا أن تُعامل بوصفها ابتكارًا حديثًا، والجديد هو أن يُعمل على أن تكون ثقافة، لأن المستوى التعليمي ارتفع في المجتمعات، مما جعل أفراد المجتمع قادرين على التحدث والاستظهار خارج حدود تخصصهم، مما يسبب تشويشًا ثقافيًا، بغض النظر عن أن بعض غير المختصين أضلع من بعض المختصين، فهذه حالات لا يُبنى عليها.

من النماذج التي جسدت التميز في الطرح من خلال حنجرة المختص لقاءٌ مع أحد الدكاترة الأعزاء الذين يفخر بهم مجتمعهم، والذي قدم وجبة ثقافية مشبعة عن «طب الأسرة» من موقع تخصصه، ألا وهو الدكتور المجدّ بقوة إرادته أحمد عبد العزيز الفلس - من خريجي جامعة أم القرى بمكة المكرمة - الذي يرسم، مع تميزه الدراسي - تبارك الله الذي سدده -، صورة لمعنى الإيمان والتقى والخلق الحسن والورع. فهنا سننثر جرعاته الثقافية التي أثمرت هدفها في تثقيف الأذهان عن أهمية دور «طبيب الأسرة».

تعريفه وأهميته:

استهل الدكتور حديثه بتعريف طب الأسرة بأنه «رعاية أولية مستمرة وشاملة للفرد والأسرة، من الطفولة إلى الشيخوخة»، وهو تخصص مثله مثل الجراحة والمخ والعظام وغيرها، يتم اجتيازه بدراسة 3 سنوات، وفي بعض الدول 4 سنوات بعد التخرج من مرحلة البكالوريوس في الطب «أي بعد مرحلة طبيب عام». ثم فصَّل توضيحًا عن أهميته بالمميزات أدناه:

• أول نقطة اتصال: بوابتك الأولى لأي مشكلة صحية

فدوره كالمستشار المالي أو الهندسي، ولكن عن أهم بضاعة للإنسان، وهي صحته.

• الاستمرارية: طبيب يعرف تاريخك وتاريخ أسرتك مع الوقت

مما يمكّنه من فهم حالتك أو أفراد أسرتك بصورة أكثر دقة من طبيب الطوارئ وغيره.

• الشمولية: كل الأعمار وكل المشكلات الشائعة

تشمل رعايته من عمر الطفولة إلى عمر الشيخوخة ولكلا الجنسين، وفي بعض الدول المتقدمة يمكنه توليد النساء.

• التنسيق: يربطك بالأخصائي المناسب ويتابعك بعده

بحكم اطلاعه الدقيق على التاريخ الصحي، يمتلك الرؤية الأوضح لتوجيه المرضى إلى الأخصائيين بحسب الحالة، وبالتالي يحفظ الجهود والموارد المالية التي تذهب بسبب ضبابية الرؤية لدى المريض الذي لا يراجع طبيب أسرته.

تاريخه:

الكلية الملكية للأطباء الأوليين في بريطانيا كانت السباقة في مضمار «طب الأسرة» من عام 1952 م، ثم تلاها البورد الأمريكي لطب الأسرة عام 1969 م، وفي عام 1972 م تأسست «WONCA»، المنظمة العالمية لأطباء الأسرة. ثم تم إعلان ألما آتا «كازاخستان»: الرعاية الأولية أساس النظم الصحية، يقودها طبيب متخصص يهتم بصحة المجتمع ككل وبأقل تكلفة، عام 1978 م.

وضمن رؤية 2030، وضع البورد السعودي خطته لتطوير الرعاية الأولية، وذلك من خلال التركيز على طب الأسرة كحجر زاوية.

طب الأسرة حجر زاوية:

بسبب تطور علم الطب الذي أدى إلى استحداث تخصصات دقيقة، أصبح المريض يعيش حالة من التشتت والتنقل بين أطباء لا يملكون رؤية شاملة عن تاريخه الصحي تمكنهم من تشخيصه بدقة، وبالتالي معالجة الحالة كما ينبغي. ولتوعية المتلقي أكثر، فإن دور طبيب الأسرة هو الرعاية الشمولية لا شمولية التخصصات، أي أن طبيب الأسرة درس الحالات الشائعة في كل التخصصات الطبية، مما مكّنه من القدرة على تقديم الرعاية الطبية حتى في «الطب النفسي». وذلك كما يلي:

1. يعالج معظم المشكلات الطبية الشائعة دون الحاجة إلى التحويل إلى الأخصائيين إلا عند الضرورة، وبعد ذلك يتابع أيضًا نتائج زيارة المريض للأخصائي، ويتابع حالته حتى الاستقرار أو الشفاء، وهو ما يُعرف بـ «إدارة الألم». ومما يعانيه أطباء الأسرة هنا إصرار بعض المراجعين على التحويل إلى الأخصائي أو الاستشاري، مع أن حالتهم لا تحتاج إلى ذلك المستوى من الرعاية.

2. قادر على متابعة الأمراض المزمنة كالسكري والضغط والسمنة لكل أفراد الأسرة.

3. نتيجة تعامله مع الحالات التي في منطقته، يمكّنه ذلك من قراءة الوضع الصحي للمجتمع، ويعالج المريض من خلال هذه النظرة، لذلك هو «يرى المريض كاملًا لا عضوًا واحدًا» جسدًا ونفسًا ومجتمعًا.

4. تساعد مراجعته على متابعة الحالة بشكل يجعل للمراجع حصانة مانعة بإذن الله تبارك وتعالى من الأمراض المزمنة، من خلال إجراء الفحوصات اللازمة وغير ذلك. فالمسح الطبي وظيفة طبيب الأسرة، وهو عملية كشف الأمراض والعمل على مسح تلك الأمراض من المريض اعتمادًا على تاريخه الطبي، وتحديد التحاليل التي يحتاجها بدقة حفاظًا على جهد ومال المريض، وكذلك يقوم على الكشف المبكر عن أمراض أو عوامل خطر لدى أشخاص لا تظهر عليهم أعراض.

مستويات الوقاية الخمسة:

ولتتضح أهمية موقع طبيب الأسرة، تعرض الدكتور الفلس لمستويات الوقاية الخمسة، وهي كالتالي:

• ما قبل الأولية «Primordial»: منع نشوء عوامل الخطر: بيئة صحية ومساحات للمشي.

• الأولية «Primary»: الوقاية من المرض: تطعيمات، تثقيف، إيقاف التدخين.

• الثانوية «Secondary»: الكشف المبكر: فحوصات المسح.

• الثالثية «Tertiary»: منع المضاعفات وإعادة التأهيل.

• الرباعية «Quaternary»: حماية المريض من الإفراط في الفحوص والأدوية.

إذ إن دور الطبيب هو في المرتبة «الأولية»، والمتمثلة بالمراكز الصحية وليس المستشفيات، فالمراكز الصحية تمتلك الرؤية الكاملة أكثر من غيرها، مثل التطعيمات، بناءً على ما ذكر الدكتور الفلس.

ولأن الإنسان هو المسؤول الأول عن حالته «ما قبل الأولية»، من خلال رعاية صحته الجسدية والنفسية، ومن خلال الوعي الصحي الذي يتجسد في عادات صحية كالنوم الكافي والطعام الصحي والرياضة والابتعاد عن كل ما يشكل سببًا للخطر على صحته الجسدية والنفسية. أما المستشفيات العامة فتتولى مهام «الوقاية الثانوية»، بينما تقع على عاتق المستشفيات التخصصية مهام «الوقاية الثالثية»، فهي تُعنى بالأمراض المزمنة، لذلك لا يصح التوجه إليها مباشرة من قبل المريض، فالصحيح أن تتم الإحالة إليها بناءً على تقييم طبيب الأسرة، بحسب الدكتور أحمد الذي أفصح عن أن هناك ضغطًا يعيشه طبيب الأسرة من إصرار بعض المرضى على التحويل إلى المستشفيات العامة أو التخصصية.

وكنموذج توضيحي، ذكر الدكتور الفلس ألم المفاصل الذي تتشابه فيه الآلام، ولكن طبيب الأسرة بيده أن يشخّص ما إذا كان المريض يحتاج إلى التوجه إلى الأخصائي أم لا.

متى طبيب الأسرة؟ ومتى الطوارئ؟

أجاب الدكتور بأن الطوارئ، على اسمها، مخصصة للأمور الطارئة التي لا تحتمل التأخير أو تنبئ عن خطر، مثل ألم صدر شديد أو ضيق نفس شديد أو ضعف مفاجئ في جانب من الجسم أو اضطراب في الكلام أو نزيف لا يتوقف أو فقدان الوعي. بينما ينبغي مراجعة طبيب الأسرة في الحالات التالية:

• أعراض جديدة غير شديدة.

• متابعة الأمراض المزمنة.

• التطعيمات والفحوص الدورية.

• استشارة قبل اختيار الأخصائي.

التخصصات الدقيقة في طب الأسرة:

كما لفت الدكتور الفلس إلى أنه، كما في باقي التخصصات العامة التي تضم تخصصات دقيقة تحتاج إلى دراسات عليا أخرى، توجد في طب الأسرة تخصصات دقيقة مثل طب السفر، طب الألم، الطب الرياضي، طب كبار السن، طب المراهقة، طب النوم، طب صحة المرأة وغيرها، التي تحتاج إلى دراسة أخرى تصل إلى سنتين بعد الانتهاء من طب الأسرة. ودعا الدكتور أحمد عبد العزيز الفلس إلى الاهتمام ب«طبيب السفر» الذي ينبغي مراجعته قبل السفر بمدة شهر للتوعية باللقاحات التي قد يحتاجها المسافر، أو ما يلزم المسافر لأي بلد من ناحية طبية.

ختامًا

شدد الدكتور الفلس على ضرورة أن تعرف كل أسرة فريقها الطبي من خلال تطبيق صحتي، وهم:

• طبيب الأسرة.

• الممرضة.

• المثقف الصحي.

مكررًا التأكيد على أهمية دور طبيب الأسرة، تماشيًا مع ما يُطبّق الآن من تفعيلٍ ملحوظ للمراكز الصحية، ورفض المستشفيات استقبال المراجع إن لم يأتِ من خلال المراكز الصحية.

مهندس مشروع والتخطيط - مدير مشروع معتمد من PMI