آخر تحديث: 8 / 11 / 2026م - 5:56 م

مَلَكَة الكتابة

المهندس أمير الصالح *


تمهيد

انتشرت تطبيقات مجانية عديدة، مثل «واجبي» وغيرها، لحل الواجبات المدرسية، لا سيما في مادتي العلوم والرياضيات؛ فأضحى هناك عدد كبير من الطلاب في بعض الدول لا يتقنون أساسيات العمليات الحسابية اليومية كالجمع والطرح، ولا يتذكرون جدول الضرب الصغير، ولا يحفظون قوانين حساب المثلثات الأساسية، فضلًا عن حل مسائل التفاضل والتكامل! فأضحى لدينا عدد من الطلاب الناجحين بحسب ما تفيده شهاداتهم، ولكنهم مخفقون في الحياة، ولا توجد عندهم ملكة الحساب أو الذهنية الرياضية التي تؤهلهم لأن يكونوا مهندسين أو مبتكرين أو مبدعين! ولو انقطعت خدمات الإنترنت يومًا ما عن أماكن إقامتهم، فإنهم لا يستطيعون أداء واجباتهم الأساسية لاعتمادهم الكلي على برامج الإنترنت لأداء المهمات نيابة عنهم. وعلى ذلك فقِس، فقد أصبح لدينا من يجيدون الهذرة «الكلام الكثير»، ولكن لا يجيدون التعبير ولا يمتلكون قوة التحليل؛ لأنهم لم يصقلوا ملكات التعبير أو التحليل، وكذلك أضحوا ضحايا سيطرة برامج الإنترنت على معظم مفاصل حياتهم لفرط استخدامهم لها… إلخ.

حوار

كتب كثير من الكُتّاب مقالات وكتبًا تتعلق بالكتابة الأصيلة والكتابة المصطنعة عبر استخدام أجهزة الحاسوب بتوظيف برامج الذكاء الاصطناعي للكتابة نيابة عنهم. ووصل الأمر ببعضهم وبعضهن إلى إصدار كتب وروايات عبر استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتدشينها في معارض الكتب، مع نسبتها إلى أنفسهم والتبجح والتفاخر بألقاب معينة ضمن طبقات اجتماعية مخملية أو شبه مخملية.

في السابق، كان بعض منتحلي ألقاب «كاتب» وغيرها يتعاقدون مع طلاب أو كُتّاب في دول معينة «للكتابة بالنيابة عنهم»، ونشر المقالات أو إصدار الكتب والروايات بأسمائهم مقابل مبالغ من المال. ثم سمعنا لاحقًا عن مصطلح السرقة الأدبية بعد كثرة فضائح نجومها ممن سرقوا نتاج الآخرين.

وحديثًا نسمع عن أشكال جديدة من انتحال الألقاب المميزة «مستشار / كاتب / محلل اقتصادي / خبير استراتيجي» لأفراد غير مؤهلين، ولكن بمعاونة الذكاء الاصطناعي يتكلمون وهم لا يملكون أدنى ملكة في ذلك!

فهل تعتقد، أيها القارئ الكريم، أن كل كاتب لديه ملكة الكتابة؟! وهل تعتقد أن كل خطيب ذي صوت شجي لديه ملكة الخطابة وتقديم المحتوى القيّم؟! وهل تعتقد أن كل محلل اقتصادي مؤهل لأداء مهمة التحليل الناجع؟!

أكاديميًا

يُصنف الطالب المستخدم للذكاء الاصطناعي في إعداد بحوثه أو تقارير مختبره أو أداء واجباته الجامعية في الجامعات المرموقة بأنه منتحل أو مدّعٍ أو أفّاك «falsification / cheating / plagiarism»، وقد يتلقى إنذارًا أو يُفصل من الجامعة أو يُوقف تأديبيًا لمدة فصل دراسي أو أكثر.

الرقابة الاجتماعية والألقاب

في بعض المجتمعات تضعف أو تغيب الرقابة، فيقدم البعض نفسه على أنه خبير أو محلل أو كاتب، ويصفق له البعض ويبجلونه ويقدمونه في المجالس دون أدنى تمحيص لادعائه. وتنطلي الكذبة على المحيط البسيط من الناس، ومع تكرار ترديد الكذبة تصبح حقيقة غير قابلة للنقاش، وهي الممارسة ذاتها التي اتبعها وزير الدعاية الألماني في عهد أدولف هتلر، جوزيف غوبلز: «اكذب اكذب حتى يصدقك الناس، واكذب أكثر حتى تصدق كذبتك!».

يُعاب على المجتمعات شبه الميتة غياب أفرادها عن دور الإشراف والرقابة على الغذاء الفكري المتداول في المنتديات والديوانيات والمجالس والمقاهي والملتقيات ذات الطابع الفكري، فتنتشر أفكار ليبرالية يمينية أو خزعبلات، كما تنتشر سمة إسباغ الألقاب المنمقة وقصص العنتريات الوهمية على البعض من رواد تلكم الأماكن لأسباب عدة.

المجتمع بحاجة إلى كُتّاب ومفكرين ومؤثرين مرموقين

لا شك ولا ريب أن المجتمع الحي والمزدهر ينبض بالحياة ويزخر بالتدارس والتفاعل والطرح والرأي المقابل لجملة من الأفكار بناءً على أسس عقلانية ناهضة وقيم رصينة لإيجاد أنجع الحلول وأفضل الوسائل وأكثرها استدامة.

البعض، بحسن نية أو بسوئها «الله هو العالم بالنيات»، يسيء استخدام الأداة أو يسيء اختيار الوسيلة، فيستعين بطرق مختصرة تحقق له طموحه الشخصي بإيصال صوته. وأقول له: أشكر لك محاولاتك، ولكن اعتمد وسائل ناجعة.

الذكاء الاصطناعي بلا أدنى شك نعمة إلهية ونتاج حضاري وصناعي ضخم، ولكن من يديرونه لديهم أفكار وقيم وأنماط لا تتواءم مع قيم مجتمعك وجذوره الحضارية.

القراءة الموسوعية المستمرة بعين الناقد الفكري الرصين تؤتي ثمارًا طيبة، وتوطّن وسائل أكثر نجاحًا في التغلب على مشاكل وعقبات وتحديات، وتولّد كتابات وكتبًا وأبحاثًا رائعة. أما الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كتابة المقالات وحل الواجبات المدرسية وتوزيع المهام وتمحيص الخطط، فإنه إعلان مبطن بإلغاء دور الفكر والعقل معًا.

الإنسان المرموق يتميز بصفات خاصة وسجايا كريمة، ومنها الأمانة العلمية وأدب الحوار والتحقق من المعلومة ورصانة الحديث. تزداد الاشتراطات في خصال الإنسان إذا حمل أمانة الكلمة، ومن أمناء الكلمة الكُتّاب. فلا يصح أن يكون الإنسان مؤتمنًا على غذاء الناس فكريًا لتكتشف أنه مجرد بوق للآخرين أو ناسخ لما يقذف به الذكاء الاصطناعي الموجه للسيطرة. كما لا يحق للخطيب أن يخلط بين مصالحه الشخصية وأمانة المنبر «المنصة في الجامعة» في إيصال القيم والأفكار الأصيلة.

مادة التعبير

في أيامنا بالمرحلة الدراسية الابتدائية، كانت حصة مادة التعبير هي التي أذكت روح الإثراء اللغوي لأبناء جيلي والأجيال السابقة بشكل مباشر، وأذكت روح المطالعة والقراءة بشكل غير مباشر.

شخصيًا، أتمنى أن تُدرج مادة التعبير مجددًا في كل مدارس العالم كمادة تُخصص لها حصة دراسية أو أكثر في الأسبوع الدراسي لإعادة ترميم الألسنة وتقوية المدارك وإكسابها جزالة التعبير والتواصل وحب الكتابة والتدوين بين أبناء الأجيال الجديدة.

ختامًا

الثناء والعرفان والتحفيز للكُتّاب الصادقين من أهل الفكر والرأي والتحليل والتشخيص في كل مجال نافع، لمشاركتهم السخية بما جادت به أقلامهم النظيفة سعيًا منهم لزيادة الوعي داخل مجتمعاتهم وأوطانهم.

فإن أغلب أولئك الكُتّاب الأوفياء من المبدعين غير وجهاء وشبه مهمشين اجتماعيًا أو مغمورين، حتى مع طول فترة عطائهم وكثرته ومداد أقلامهم عبر سنوات، من خلال صدق نقل خلاصات قراءاتهم وتأملاتهم ومشاركاتهم العديدة بتجاربهم على أطباق من فضة وملاعق من ذهب لعقول القراء من المجتمع قبل وبعد عصر AI, ومن دون أي مردود مالي أو وجاهة اجتماعية معتبرة أو حظوة خاصة.

كما أشيد بالقراء المتفاعلين إيجابيًا في التعرف على بصمات الكُتّاب المبدعين وتمحيص قيمة محتوى المقالات والكتابات ومقاطع الفيديو المفيدة وتعزيزها لكي نرتقي جميعًا للأسمى والأعلى والأفضل.

فالكتابة الرصينة ملكة عند الإنسان وهبها الله له، وليست استجداءً لإجابة من تطبيق للذكاء الاصطناعي.