آخر تحديث: 8 / 11 / 2026م - 5:56 م

«أرامكو».. حوتنا الأزرق

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

بعد قراءة نتائج الربع الثالث لشركة أرامكو، لم يلفت نظري تحسّن نتائجها المالية مقارنة بالربع السابق، ولا حتى بالربع المماثل من العام 2025، بل إصرار الشركة على الاستمرار في نشاطها بعنفوان رغم التحديات والهجمات والمنغصات الجيوسياسية التي تمحورت بصورة غير مسبوقة حول سوق النفط العالمية، فأصبح هاجس الطاقة وعدم موثوقية الإمدادات واستقرار أسعارها الشغل الشاغل للسياسيين والاقتصاديين، بل ولسواد الناس من أمريكا إلى أوروبا وما بينهما.

مع اندلاع التوترات الإقليمية في نهاية فبراير 2026، التي شملت ضربات أميركية وإسرائيلية ضد إيران وأدت إلى اضطراب شبه كامل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، واجهت أرامكو أكبر تحدٍ تشغيلي في تاريخها الحديث، إذ أغلقت إيران الممر البحري عمليًا في 28 فبراير، مما قطع الطريق التقليدي الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وتعرضت منشآت الشركة لهجمات متكررة، بما في ذلك هجمات الحوثيين بالصواريخ والمسيّرات على مرافق أرامكو في ينبع وجيزان والظهران والرياض ومصافي أخرى وخط الشرق - الغرب، إلى جانب تهديدات متزايدة في مضيق باب المندب أدت إلى تراجع حركة السفن وفرض مخاطر على مسار التصدير البديل عبر البحر الأحمر. فقد حافظت الشركة، رغم كل ذلك، على تدفق النفط إلى الأسواق العالمية رغم «الاضطراب الإقليمي غير المسبوق»، مستفيدة من بنية تحتية خُطّط لها منذ عقود ومن قيادة إدارية نابهة وتخطيط استراتيجي عالمي النطاق.

وليس خافيًا أن أرامكو أظهرت مرونة تشغيلية عالية من خلال الاعتماد المكثف على خط أنابيب الشرق - الغرب «Petroline» الذي ينقل النفط من شرق السعودية إلى موانئ البحر الأحمر، ووصل تشغيله إلى مستويات مرتفعة بعد استعادة التشغيل عقب هجمات استهدفته، إلى جانب عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، والتخزين الخارجي، وتفعيل مسارات بديلة، وبذلك حافظت أرامكو على تزويد زبائنها الرئيسيين في آسيا وأوروبا رغم انخفاض إنتاج السوائل إلى نحو 8.7 مليون برميل يوميًا في الربع الثالث من عام 2026 مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، واستمرت في استكشاف تخزين إضافي خارج المملكة وتوسيع الخط نحو 10 ملايين برميل يوميًا لتعزيز الاستقلالية عن مضيق هرمز.

على الصعيد المالي، حافظت الشركة على أداء متماسك عبر الأرباع من الربع الثالث من عام 2025 إلى الربع الثالث من عام 2026. بلغ صافي الدخل المعدل 28.6 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2025، ثم ارتفع بقوة في 2026 ليصل إلى حوالي 33.8 مليار دولار في الربع الأول و 33.4 مليار دولار في الربع الثاني، قبل أن يسجل 31.2 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2026 «بزيادة 9% على أساس سنوي». دعم ذلك تدفق نقدي تشغيلي بلغ 38.7 مليار دولار وتدفق نقدي حر 28.2 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2026، مع انخفاض نسبة المديونية إلى 5.5%، وارتفاع حاد في أرباح التكرير.

يُعزى هذا الأداء المتماسك إلى عدة عوامل رئيسية: ارتفاع أسعار النفط المحققة «95.2 دولارًا للبرميل في الربع الثالث من عام 2026 مقابل مستويات أدنى سابقًا»، وهو ما عوّض جزئيًا انخفاض كميات الإنتاج، وقوة أعمال المصب؛ إذ ارتفعت أرباح التكرير المعدلة بنسبة 234% على أساس سنوي بفضل هوامش تكرير مرتفعة نتيجة اضطرابات الإمدادات، بالإضافة إلى قاعدة تكلفة منخفضة نسبيًا ومرونة لوجستية عالية سمحت باستمرار التصدير عبر مسارات بديلة. كما ساهمت عمليات تحسين المحفظة وبيع حصص في مشاريع خارجية في تعزيز الأرباح المبلغ عنها.

وهكذا، لم تثنِ التحديات الجيوسياسية والهجمات المباشرة أرامكو عن اهتماماتها الاستراتيجية الأوسع، التي لم تقتصر على الأنشطة التقليدية اللصيقة مثل مشاريع المنبع، ومنها زيادة إنتاج الزلوف، والمرحلة الثانية من الجافورة، وتوسعة الفاضلي، والدمام، وتوقيع اتفاقية لاستكشاف المعادن والتعدين. بل تجاوزت ذلك لتعزيز استثماراتها في سلاسل الإمداد؛ ففي مجال التخزين، تستهدف أرامكو مضاعفة طاقتها التخزينية للنفط خارج المملكة، حيث تحتفظ بالفعل بمخزونات تجارية في اليابان «أوكيناوا وكيريه بنحو 11 مليون برميل»، وكوريا الجنوبية «أولسان 5.3 مليون برميل»، وهولندا، ومصر «سيدي كرير»، وتجري محادثات لتوسيعها خاصة في آسيا بما في ذلك ترتيبات محتملة للتخزين في تجاويف جورونغ الصخرية بسنغافورة، مع سعي للوصول إلى مخازن استراتيجية حكومية أجنبية. وفي إطار المسعى نفسه لتعزيز المرونة اللوجستية ذات الصلة بشبكة الأنابيب، فقد بدأت أعمال التصميم الهندسي الأولي لتوسيع خط الشرق - الغرب من 7 ملايين إلى 10 ملايين برميل يوميًا، مع دراسة شبكات إضافية ومسارات بديلة عبر نظام الغاز الرئيسي وتحويل مؤقت لخط غاز لزيادة السعة بنحو 1.2 مليون برميل يوميًا.

وفي ملف لطالما كانت أرامكو قوةً مبادرةً فيه، وهو المحتوى المحلي، فقد حقق برنامج اكتفاء «iktva» هدف الوصول إلى نسبة 70% من المحتوى المحلي في سلاسل التوريد مطلع 2026 ورفع الهدف إلى 75% بحلول 2030؛ وقد أضاف أكثر من 280 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي، وأسهم في توفير أكثر من 200 ألف وظيفة، واستقطب أكثر من 350 استثمارًا من 35 دولة برأس مال نحو 9 مليارات دولار، ومكّن من تصنيع 47 منتجًا استراتيجيًا لأول مرة داخل السعودية.

وتقنيًا، وتحديدًا في مجال الذكاء الاصطناعي، تدرك أرامكو الميزة النسبية التي تمتلكها بما يعزز ميزتها التنافسية، فقد أتمّت في مطلع نوفمبر 2026 صفقة الاستحواذ على حصة 49% في شركة HUMAIN «التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، الذي يحتفظ بحصة تبلغ 51%» مقابل مساهمة نقدية تقارب 2.6 مليار دولار خلال عام 2026 بالإضافة إلى نقل أصول ذكاء اصطناعي وحاسوبية ورقمية؛ وتستهدف HUMAIN نشر قدرة كهربائية تبلغ 3 جيجاواط لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، وتطوير نماذج متقدمة مثل النموذج العربي متعدد الوسائط «علّام»، وبناء منظومة كاملة من مراكز البيانات والحوسبة السحابية والتطبيقات، في سياق تحقيق أرامكو قيمة تقنية بلغت 11.3 مليار دولار منذ عام 2023، جاء جزء كبير منها من حلول الذكاء الاصطناعي، في مسعى لتوطين صناعة الذكاء الاصطناعي وتوظيفه تنافسيًا.

المغزى: نجحت أرامكو في الجمع بين المرونة التشغيلية العالية للحفاظ على أسواقها وزبائنها، والأداء المالي المتماسك رغم الضغوط الجيوسياسية والهجمات المباشرة، والاستمرار في الاستثمارات الاستراتيجية الواسعة التي تشمل توزيع طاقة التخزين في الخارج وتوسيع شبكة الأنابيب وتوطين المحتوى المحلي بجانب الطاقة والذكاء الاصطناعي. يعكس ذلك بنية «حوت أزرق» يتجاوز العوائق ويمتلك جَلَدًا على تحمّل الصعوبات بامتلاكه سعةً ومرونةً في بنيته التحتية، وتخطيطًا استباقيًا متوسطًا وطويل الأجل، ما يجعل «حوتنا الأزرق» قادرًا على امتصاص صدمات مضيق هرمز وباب المندب والهجمات على المرافق، مع تعزيز موقع أرامكو بوصفها موردًا موثوقًا ومبتكرًا في سوق طاقة عالمية مضطربة وعدم تفويت فرص تعزيز قدراتها بالتقنيات ودعم جهود تنويع الاقتصاد المحلي دون توانٍ.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى