أبو توقيع
يتفاوت طموح الشباب اليوم تفاوتاً كبيراً، هناك من يتمنى أن يكون طبيبا أو مهندسا وهناك من يطمح أن يعمل بوظيفة «أبو توقيع»، الفرق بين هذين النقيضين ليس شاسعا كما يظن البعض، فكلهم موظفون مقيدون في التأمينات الاجتماعية ويتمتعون برواتب وتأمين صحي لهم ولأُسرهم وإن تفاوت هذا الراتب، ولكن الأول منهما يعمل يومياً 8 أو 10 ساعات ليأخذ راتباً نظير عمله، فيما يقوم الآخر بالتوقيع في سجل الحضور في نهاية كل شهر أو ربما يومياً لينصرف عائداً من حيث أتى، ويأخذ في نهاية الشهر ثمناً لتوقيعه وظهور اسمه في سجلات الدولة كموظف سعودي يمثل نسبة حقيقية من إجمالي موظفي الشركة.
على المستوى الشخصي أعتقد أنَّ السعودة الوهمية حلَّت جزءاً من مشكلة الشباب بحيث وجد البعض مصدراً للدخل يستعين به في حياته لحين الانضمام إلى عمل جيد، ولا يعني كلامي هذا موافقةً على ذلك، فالنتيجة التي آلت إليه هي ظهور شريحة امتهنت وظيفة «أبو توقيع» وأعجبها الاستمرار في الاستمتاع بالحياة بعيداً عن الجهد والتعب ومخاطر الطريق، في اعتقادي أنَّ هذه الظاهرة هي نتيجة طبيعية لعدم وجود آليات فعالة للرقابة على الشركات، إنَّ اكتشاف السعودة الوهمية هي من البساطة بمكان بحيث يمكن القضاء عليها بشكل سريع لو وُجدت الرغبة لذلك، هنا تجدر الإشارة إلى أنَّ هؤلاء الوهميين هم أقل الموظفين السعوديين من ناحية الأجور، لذا فاستهداف هذه الشريحة بالتحقيق من قبل مفتشين ومحققين متمكنين يستطيعون كشفهم أو كشف نسبة كبيرة منهم، فمعظمهم لا يملكون من الإخلاص للمنظمة والرشد ذلك المستوى الذي يجعلهم ينجحون في إنكار هويتهم والمراوغة حين التحقيق.
ظاهرة «أبو توقيع» هي ظاهرة تتزايد يوماً بعد يوم بسبب رغبة الشركات في تحقيق نسب السعودة المطلوبة، التي تمكنهم من استقدام الأجانب، بطبيعة الحال فإنَّ الشركات تبرر أحياناً ذلك بأنَّ المعروض في السوق من السعوديين غير كفء للعمل، في اعتقادي أنَّ جزءًا من هذا الكلام صحيح، هناك فجوة يستطيع ملاحظتها أي مراقب بين سوق العمل والمؤسسات التعليمية والتدريبية المختلفة، لو وُجِدَ التنسيق لكانت هذه الجهات هي التي تقوم بالبحث عن عمل لمنسوبيها من الطلاب والتسويق لهم بعد توفير المواصفات والمقاييس المطلوبة، عدم إدراك أو ربما عدم رغبة هذه المؤسسات بتحمل هذا الدور هو سبب مهم من أسباب معاناة الشباب بصفة عامة ووجود هذه الظاهرة.
ما زالت ظاهرة «أبو توقيع» تملأ سجلات الشركات لتمنح المسؤولين أرقاماً متزايدة من توظيف السعوديين وبالنتيجة انخفاضا في مستويات البطالة، غير أن هذا الانخفاض غير واقعي، فالشباب السعودي لم يزل يعاني ولم تزل البطالة موجودة وإن اختلفت مسمياتها، تفعيل دور الرقابة من جهة وزارة العمل وزيادة التنسيق بين الجهات التعليمية والشركات ربما يُسهم في تحقيق نتائج جيدة تُسهم في إنهاء أو تقليل نسبة السعودة الوهمية، وعلى أمل أن يتغير ذلك سيبقى الموظف «أبو توقيع» عاطلاً عن العمل بمقاييس الواقع، موظفاً يُسهم في تقليل نسبة البطالة بمقاييس وزارة العمل، ليمنحها بالنتيجة نجاحاً على غير ما تتمناه وتسعى إليه.













